تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجلس رسول الله يوم الفتح على الصفا يبايع الناس فجاء الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الإسلام أي على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وعلى سائر الأحكام ودخل الناس في دين الله أفواجا وعفا عليه السلام عمن كان مؤذيا له منذ عشرين سنة ودعا له بالمغفرة وقال عليه السلام : "يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم حلق السموات والأرض ويوم خلق الشمس والقمر ووضع هذين الجبلين فهي حرام ءلى يوم القيامة فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرة لم تحل لأحد قبلي ولن تحل لأحد يكون بعدي ولا تحل لي إلا هذه الساعة أي من صبيحة يوم الفتح إلى العصر غضبا على أهلها ألا قد رجعت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب وأقام بمكة بعد فتحها تسعة عشر أو ثمانية عشر يوما يقصر الصلاة في مدة إقامة" ثم خرج إلا هوازن وثقيف كما مر وولى أمر مكة عتاب بن أسيد رضي الله عنه وعمره إحدى وعشرون سنة وأمره أن يصلي بالناس وهو أول أمير صلى بمكة بعد الفتح جماعة وترك معاذ بن جبل رضي الله عنه معه معلما للناس السنن والفقه وبه ثبت الاستخلاف وعليه العمل إلى يومنا هذا فإن النبي إنما يبعث لرفع الجهل وقس عليه أولى جعلنا الله وإياكم من الوراثين ﴿هم﴾ أي قريش ﴿الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام﴾ أي منعوكم عن أن تطوفوا به ﴿والهدى﴾ أي وصدوا الهدى وهو بالنصب عطف على الضمير المنصوب في صدوكم والهدي بسكون الدال جمع هدية كتمر وتمرة

47

وجدي وجدية وهو مختص بما يهدي إلى البيت تقربا إلى الله تعالى من النعم أيسره شاة وأوسطه بقرة وأعلاه بدنة يقال أهديت له وأهديت إليه ويجوز تشديد الباء فيكون جمع هدية (معكوفا) حال من الهدي أي محبوسا يقال عكفته عن كذا إذا حبسته ومنه العاكف في المسجد لأنه حبس نفسه ﴿أن يبلغ محله﴾ بدل اشتمال من الهدي أو منصوب بنزع الخافض أي محبوسا من أن يبلغ مكانه الذي يحل فيه نحره أي يجب فالمحل اسم للمكان الذي ينحر فيه الهدي فهو من الحلول لا من الحل الذي هو ضد الحرمة قال في المفردات حل الدين حلولا وجب أداؤه وحللت نزلت من حل الأحمال عند النزول ثم جرد استعماله للنزول والمحلة مكان النزول انتهى وبه استدل أبو حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم فإن بعض الحديبية كان من الحرم قال في بحرالعلوم : الحديبية طرف الحرم على تسعة أميال من مكة وروى أن خيامه عليه السلام كانت في الحل ومصلاه في الحرم وهناك نحرت هداياه عليه السلام وهي سبعون بدنة والمراد صدها عن محلها المعهود الذي هو مني للحاج وعند الصفا للمعتمر وعند الشافعي لا يختص دم الاحصار بالحرم فيجوز أن يذبح في الموضع الذي احصر فيه.

بين تعالى استحقاق كفار مكة للعقوبة بثلاثة أشياء : كفرهم في أنفسهم وصد المؤمنين عن إتمام عمرتهم وصد هديهم عن بلوغ المحل فهم مع هذه الأفعال القبيحة كانوا يستحقون أن يقاتلوا أو يقتلوا إلا أنه تعالى كف أيدي كل فريق عن صاحبه محافظة على ما في مكة من المؤمنين المستضعفين ليخرجوا منها أو يدخلوها على وجه لا يكون فيه إيذاء من فيها من المؤمنين والمؤمنات كما قال تعالى :

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٩ · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٩ · ص ٤٠