تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كفر صراح مأخوذ من قول فرعون على ماحكاه الله تعالى لنا في كتابه القديم وقال فرعون ذووني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد وكيف يجوز هذا الصنيع من أجل الأمر الموهوم وهو خوف الضلال على العامة انتهى.

يقول الفقير : التوفيق بين هذا وبين ما فعله عمر رضي الله عنه أن الذي يصح هو اتباع الظن لا الوهم

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

﴿فعلم ما فى قلوبهم﴾ عطف على يبايعونك لما عرفت من أنه بمعنى بايعوك لا على رضى فإن رضاه تعالى عنهم مترتب على علمه تعالى بما في قلوبهم من الصدق والإخلاص عند مبايعتهم له عليه السلام قال بعضهم : إن من الفرق بين علم الحق وعلم عبيده أن علمهم لم يكن لهم إلا بعد ظهورهم وحصول صورتهم وأما علم الحق تعالى فكان قبل وجود الخلق وبعدهم فليس علمه تعالى بعناية من غيره بخلاف العبد ﴿فأنزل السكينة عليهم﴾ عطف على رضى أي فأنزل عليه الطمأنينة وسكون النفس بالربط على قلوبهم وقيل بالصلح قال البقلى في عرائسه رضي الله عنهم في الأزل وسابق علم القدس ويبقى رضاه إلى الأبد لأن رضاه صفته الأزلية الباقية الأبدية لا نتغير بتغير الحدثان ولا بالوقت والزمان ولا بالطاعة والعصيان فإذا هم في اصطفائيته باقون إلى الأبد لا يسقطون من درجاتهم بالزلات ولا بالشرية والشهوات لأن أهل الرضى محروسون برعايته لا يجري عليهم نعوت أهل البعد وصاروا متصفين بوصف رضاه فرضوا عنه كما رضي عنهم وهذا بعد قذف أنوار الأنس في قلوبهم بقوله : فأنزل السكينة عليهم قال ابن عطاء رضي الله عنهم فأرضاهم وأوصلهم إلى مقام الرضى واليقين والاطمئنان فأنزل سكينته عليهم لتسكن قلوبهم إليه ﴿وأثابهم﴾ واداش داد ايشانرا فإن الاثابة بالفارسية اداش دادن.

والثواب ما يرجع إلى الانسان من جواء عمل يستعمل في الخير والشر لكن الأكثر المتعارف في الخير والإثابة تستعمل في المحبوب وقد قيل ذلك في المكرون نحو فأثابكم غما بغم على الاستعارة ﴿فتحا قريبا﴾ وهو فتح خيبر غب انصرافهم من الحديبي ﴿ومغانم كثيرة يأخذونها﴾ أي وأثابهم مغانم خيبر وكانت ذات عقار وأشجار أخذوها من اليهود مع فتح بلدتهم فقسمت عليهم ﴿وكان الله عزيزا﴾ غالبا ﴿حكيما﴾ مراعيا لمقتضى الحكمة في أحكامه وقضاياه وقال ابن الشيخ حكيما في أمره حكم لهم بالظفر والغنيمة ولأهل خيبير بالسبي والهزيمة ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة﴾ هي ما يفيئه على المؤمنين إلى يوم القيامة والإفاءة مال كسى غنيمت كردن ﴿تأخذونها﴾ في أوقاتها المقدرة لكل واحد مناه

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

﴿فعجل لكم هاذه﴾ أي غنائم خيبر ﴿وكف أيدى الناس عنكم﴾ أي أيدي أهل خيبر وهم سبعون ألفا وحلفاؤهم من بني أسد وغطفان حيث جاءوا لتصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرعب فنكصوا والحلفاء بالحاء المهملة جمع حليف وهو المعاهد للنصر فإن الحلف العهد بين القوم وقيل أيدي أهل مكة بالصلح وبالفارسي ودست مردمانرا از شما كوتاه كرد.

وقال في المفردات الكف كف الناس وهي ما بها يقبض ويبسط وكففته دفعته بالكف وتعورف الكف باردفع على أي وجه كان بالكف وبغيرها حتى قيل رجل مكفوف لمن قبض بصره قال سعدي المفتي إن كان نزولها بعد فتح خيبر كما هو الظاهر

35

لا تكون السورة بتمامها نازلة في مرجعه عليه السلام من الحديبي وإن كان قبله على أنها من الإخبار عن الغيب فالإشارة بهذه تنزيل المغانم منزلة الحاضرة المشاهدة والتعبير بالمضي للتحق ﴿ولتكون ءاية للمؤمنين﴾ عطف على علة أخرى محذوفة من أحد الفعلين أي فعجل لكم هذه أو كف أيدي الناس عنكم لتغتنموها ولتكون إنارة للمؤمنين ويعرفون بها صدق الرسول في وعده إياه عند رجوعه من الحديبية ما ذكر من المغانم وفتح مكة وهو دخول المسجد الحرام ويجوز أن تكون الواو واعتراضية على أن تكون اللام متعلقة بمحذوف مؤخر أي ولتكون آية لهم فعل ما فعل من التعجيل والكف ﴿ويهديكم﴾ بتلك الآية ﴿صراطا مستقيما﴾ هو الثقة بفضل الله تعالى والتوكل عليه في كل ما تأتون وما تذرون وفي الآية إشارة إلى ما وعد الله عباده من المغانم الكثيرة بقوله : ادعوني أستجب لكم فكل واحد يأخذها بحسب مطمح نظره وعلو همته فمن كانت همته الدنيا فهي له معجلة وماله في الآخرة من خلق ومن كانت همته الآخرة فله نصيب من حظ الدارين وربما يكف الله أيدي دواعي شهوات النفس عن المؤمنين ليكونوا من أهل الجنة كما قال تعالى ونهى النفس عن الهوا فإن الجنة هي المأوى ولو وكلهم إلى أنفسهم لاتبعوا الشهوات وهي دركات الجحيم إذ حفت الناس بالشهوات وفي ترك الدنيا وشهوات النفس آية للمؤمنين حيث يهتدي بعضهم بهدي بعض ويصلون على هذا الصراط المستقيم إلى حضرة ربوبية.

قال الشيخ سعدي :

ي نيك مردان ببايدشتافت

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٩ · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٩ · ص ٣٠