تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الآية إشارة إلى أن النفوس المتخلفة عن الطاعات والعبادات من الفرائض والنوافل لو دعيت إلى الجهاد في سبيل الله أو الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس والشيطان والدنيا تقاتلونهم بنهى النفس عن الهوى وترك الدنيا وزينتها فإن أجابوا وأطاعوا فقد استوجبوا الأجر الحسن وإن أعرضوا عن الطاعات والعبادات يعذبهم الله بعذاب أليم يتألمون به في الدنيا والآخرة ﴿ليس على الاعمى﴾ لما وعد على التخلف نفي الحرج عن الضعفاء والمعذورين فقال : ليس على الأعمى وهو فاقد البصر ﴿حرج﴾ إثم في التخلف عن الغزو لأنه كالطائر المقصوص الجناح لا يمتنع عن من قصده والتكليف يدور على الاستطاعة وأصل الحرج والحراج مجتمع الشيء كالشجر وتصور منه ضيق ما بينهما فقيل للضيق حرج وللاثم حرج ﴿ولا على الاعرج حرج﴾ لما به من العلة اللازمة إحدى الرجلين أو كليتهما وقد سقط عمن ليس له رجلان غسلهما في الوضوء فكيف بالجهاد والأعرج بالفارسية لنك.

من العروج لأن الأعرج ذاهب في صعود بعد هبوط وعرج كفرح إذا صار ذلك خلقة له وقيل للضبع عرجاء لكونها في خلقتها ذات عرج وعرج كدخل ارتقى وأصابه شيء في رجليه فمشى مشي العارج أي الذاهب في صعود وليس ذلك بخلقة أو يثلث في غير الخلقة كما في القاموس ﴿ولا على المريض حرج﴾ لأنه لا قوة به وفي نفي الحرج عن كل من الطوائف الممدودة مزيد اعتناى بأمرهم وتوسيع لدائرة الرخصة ﴿ومن﴾ وهركه ﴿يطع الله ورسوله﴾ أي فيما ذكر من الأوامر والنواهي في السر والعلانية ﴿يدخله جنات تجرى من تحتها الانهار﴾ قال بعض الكبار : إنما سميت الجنة جنة لأنها ستر بينك وبين الحق تعالى وحجاب فإنها محل شهوات الأنفس وإذا أراد أن يريك ذاتك حجبك عن شهوتك ورفع عن عينيك سترها فغبت عن جنتك وأنت فيها ورأيت ربك والحجاب عليك منك فأنت الغمامة على شمسك فاعرف حقيقة نفسك ﴿ومن يتول﴾ عن الطاعة وبالفارسية : وهركه اعراض كند از فرمان خدا ورسول ﴿يعذبه عذابا أليما﴾ لا يقادر قدره وبالفارسية عذابي دردناك كه دردان منقطع نكر ددوالم آن منقضى نشود وآن عذاب حرمانست ه بمخالفت امر خدا از دولت لقامهجور وبنافرمانى رسول از سعادت شفاعت محروم خواهدماند.

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

مسوز آتش محروميم كه هي عذاب.

زروى سوزو الم ون عذاب حرمان نيست.

وفي الآية إشارة إلى أصحاب الأعذار من أرباب الطلب فمن عرض له مانع يعجزه عن السير بلا عزيمة منه وهمته في الطلب ورغبته في السير وتوجهه إلى الحق باق فلا حرج عليه فيما يعتريه فيكون أجره على الله وذلك قوله تعالى : ومن يطع الله ورسوله يعني بقدر الاستطاعة يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يغني يعرض عن الله وينقض عهد الطلب

32

بعذبه عذابا أليما كما قال أوحد المشايخ في وقته أبو عبد الله الشيرازي قدس سره : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول : من عرفه طريقا إلى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله بعذاب لم يعذب به أحدا من العالمين وقد قالوا مرتد الطريقة أعظم ذنبا من مرتد الشريعة وقال الجنيد : لو أقبل صديق على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله وقال بعضهم في الآية إشارة إلى الأعمى الحقيقي وهو من لا يرى غير الله لا الآخرة التي أشير إليها بالعين ولا الدنيا التي أشير إليها بالعين اليسرى وهو معذور باستعمال الرخص والدخول في الرفاهية كما قال بعض الكبار : إن المحقق لا يجوع نفسه إلا اضطرارا سيما إذا كان في مقام الهيبة وكسر الصفات فإنه يكثر أكثله لشدة سطوات نيران الحقائق في قلبه بالعظمة وشهودها وهي حالة المقربين ولكن قد يقلل عمدا على قصد المحاق بأهله الأنس بالله فهو بذلك يجتمع بالسالك انتهى وإلى الأعرج الحقيقي وهو من وصل إلى منزل المشاهدة فضرب بسيوف الوحدة والإطلاق على رجل الاثنينية والتقيد فتعطل آلاته بالفناء فتقاعد هناك وهم الأفراد المشاهدون فلا حرج لهم أن لا ينزلوا إلى مقام المجاهدين أيضا ومن هنا يعرف سر قولهم الصوفي من لا مذهب له فإن من لا مذهب له لا سير له ومن لا سير له لا يلزم له آلة وإلى المريض الحقيقي وهو الذي أسقمه العشق والمحبة وهو معذور إذا باشر الروحانيات مثل السماع واستعمال الطيب والنظر إلى المستحسنات فإن مداواته أيضا تكون من قبيل العشق والمحبة لأن العشق أمرضه فيداوي بالعشق أيضا كما قيل :

تداويت من ليلي بليلي من الهوا

كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٩ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٩ · ص ٢٨