تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اقنا طالهم ﴿لن تتبعونا﴾ أي لا تتبعونا فإنه نفى في معنى النهي للمبالغة وقال سعدي المفتي : لن ليس للتأكيد سيما إذا أريد النهي والمراد لن تتبعونا في حيبر أو ديمومتهم على مرض القلوب وقال أبو الليث : لن تتبعونا في المسير إلى خيبر إلا متطوعين من غير أن يكون لكم شركة في الغنيمة ﴿كذالكم قال الله﴾ همنين كفته است خداي تعالى ﴿من قبل﴾ أي عند الانصراف من الحديبية ﴿فسيقولون﴾ للمؤمنين عند سماع هذا النهي ﴿بل تحسدوننا﴾ أي ليس ذلك النهي حكم الله بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنائم الحسد تمني زوال النعمة عمن يستحق لها وربما يكون من ذلك سعي في إزالتها وروى المؤمن يغبط والمنافق يحسد وقال بعض الكبار : لا يكون الحسد على المرتبة إلا بين الجنس الواحد لا بين الجنسين ولذلك كان أول ابتلاء ابتلى الله به

29

عباده بعثة الرسول إليهم منهم لا من غيرهم لتقوم الحجة على من جحد قال تعالى : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا يعني لو كان الرسول إلى البشر ملكا لنزل في صورة رجل حتى لا يعرفوا أنه ملك لأنهم لو رأوه ملكا لم يقم بهم حسد ﴿بل كانوا لا يفقهون﴾ أي لا يفهمون قال الراغب الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم والفقه بأحكام الشريعة وفقه أي فهم فقها ﴿إلا قليلا﴾ أي إلا فهما قليلا وهم فطنتهم لأمور الدنيا وهو وصف لهم بالجهل المفرط وسوء الفهم في أمور الدين وعن علي رضي الله عنه أقل الناس قيمة أقلهم علما.

واعلم أن العلم إنما يزداد بصحبة أهله ولما تخلف المنافقون عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم الله بعدم الفقه فلا بد من مجالسة العلماء العاملين حتى تكون الدنيا وراء الظهر ويجعل الرغبة في الآخرة وقد قال عليه السلام : "اطلبوا العلم ولو بالصين" فكلما بعد المنزلة كثر الخطى وعن بعضهم قال : رأيت في الطواف كهلا قد أجهدته العبادة وبيده عصا وهو يطوف معتمدا عليها فسألته عن بلده فقال خراسان ثم قال لي : في كم تقطعون هذا الطريق : قلت في شهرين أو ثلاثة فقال : أفل تحجون كل عام؟ فقلت له : وكم بينكم وبين هذا البيت؟ قال : مسيرة خمس سنين قلت : هذا والله هو الفضل المبين والمحبة الصادقة فضحك وأنشأ يقول :

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

زرمن هويت وان شطت بك الدار

وخال من دونه حجب واستار

لا يمنعك بعد عن زيارته

إن المحب لمن يهواه زوار

وفي الآية إشارة إلى أن الدنيا من مظان الحسد وهو من رذائل النفس وفي الحديث "ولا تحاسدوا" أي على نعم الله تعالى مالا أو علما أو غير ذلك إلا أن يقع الغبطة على المال المبذول وفي سبيل الله والعلم المعمول به المنشور "ولا تناجشوا" النجش هو أن تزيد في ثمن سلعة ولا رغبة لك في شرآثها وقيل هو تحريض الغير على شر "ولا تباغضوا" إلا أن يكون البغض في الله قال الشيخ الكلاباذي معنى لا تباغضوا ولا تختلفوا في الأهواء والمذاهب لأن البدعة في الدين والضلال عن الطريق يوجب البغض عليه "ولا تدابروا" أي لا تقاطعوا فإن التدابر التقاطع وإن يولي الرجل صاحبه دبره فيعرض عنه كما في الفائق أو لا تغتا بواو صفة الأخوة التقابل كما قال تعالى : إخوانا على سرر متقابلين وكما قال عليه السلام : "وكونوا عباد الله إخوانا" قال الحافظ :

رحمى نه برادر ببرادر دارد

هي شوقى نه در رابه سرمى بينم

دختر انراهمه جنكست وجدل بامادر

سرا نراهمه بدخواه در مى بينم

نسأل الله السلامة والعافية ﴿قل للمخلفين من الاعراب﴾ كرر ذكرهم بهذا العنوان لذمهم مرة بعد أخرى فإن التخلف عن صحبة الرسول عليه السلام شناعة أي شناعة ﴿ستدعون إلى قوم﴾ بحرب كروهى ﴿أولى بأس شديد﴾ أي أولى قوة في الحرب وبالفارسية : كروهى بازور سخت.

وهم بنوا حنيفة كسفينة أبو حي كما في القاموس والمراد أهل اليمامة قوم مسيلمة الكذاب أو هم غيرهم ممن ارتدوا بعد رسول الله والمشركون لقوله تعالى : ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ استئناف كأنه قيل : لماذا فأجيب ليكون أحد الأمرين إما المقاتلة أبدا أو الإسلام لا غير وإما من عدا المرتدين

30

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٩ · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٩ · ص ٢٦