﴿ومن لم يؤمنا بالله ورسوله﴾ كلام مبتدأ من جهته تعالى ومن شرطية أو موصولة أي ومن لم يؤمن بهما كدأب هؤلاء المخلفين ﴿فإنآ أعتدنا للكافرين سعيرا﴾ أي لهم وإنما وضع موضع الضمير العائد إلى من الكافرون إيذانا بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله ورسوله وهو كافر فإنه مستوجب السعير أي النار الملتهبة وتنكيره للتهويل للدلالة على أنه سعير لا يكتنه كنهها أو لأنها نار مخصوصة كما قال نارا تلظى فالتنكير للتنويع ﴿ولله ملك السماوات والارض﴾ وما فيهما يتصرف في الكل كيف يشاء وبالفارسية : مرخدا يراست ادشاهى آسمانها وزمينها زمام أمور ممالك علوى وسفلى در قبضه قدرت اوست ﴿يغفر لمن يشآء﴾ أن يغفر له وهو فضل منه ﴿ويعذب من يشآء﴾ أن يعذبه وهو عدل من غير دخل لأحد في شيء منهما وجودا وعدما وفيه حسم لأطماعهم الفارغة في استغفاره عليه السلام لهم ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يشاء ولا يشاء إلا لمن تقتضي الحكمة مغفرته ممن يؤمن به وبرسوله وأما من عداه من الكافرين فهم بمعزل من ذلك قطعا فالآية نظير قوله تعالى في الأحزاب ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما أي يعذب المنافقين إن شاء تعذيبهم أي إن لم يتوبوا فإن الشرك لا يغفر البتة أو يتوب عليهم أي يقبل توبتهم إن تابوا فالله تعالى يمحو بتوبة واحدة ذنوب العمر كله ويعطي بدل كل واحدة منها حسنة وثوابا قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد ومن الظمئان الوارد ومن العقيم الوالد ومن تاب إلى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وبقاع أرضه خطاياه وذنوبه"
كرآيينه ازآه كردد تباه
شود روشن آيينة دل بآه
تويش از عقوبت در عفو كوب
كه سودى
28
ندارد فغان زير وب
وفي هذا المعنى قال الكمال الخجندي :
تراه سود بروز جزا وقايه وحرز
كه از وقاية عفوش حمايتي نرسيد
جزء : 9 رقم الصفحة : 2
وفي الآية إشارة إلى أن من أطفأ سعير نفسه وشعلة صفاتها بماء الذكر وترك الشهوات يؤمن قلبه وينجو من سعير النفس وهو حال من آمن بالله ورسوله وإلا فيكون سعير نفسه وشعلة صفاتها مستولية على القلب فتحرقه وما تبقى من آثاره شيئا وهو حال من لم يؤمن بالله ورسوله ولله ملك سموات القلوب وأرض النفوس يغفر لنفس من يشاء ويزكيها عن الصفات الذميمة ويجعلها مطمئنة قابلة لجذبة ارجعي ويعذب قلب من يشاء باستيلاء صفات النفس عليه ويقلبه كما لم يؤمن به وكان الله غفورا لقلب من يشاء رحيما لنفس من يشاء يؤتى ملك نفس من يشاء لقلبه وينزع ملك قلب من يشاء ويؤتيه لنفسه ﴿سيقول المخلفون﴾ المذكورون ﴿إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها﴾ ظرف لما قبله لا شرط لما بعده وانطلقتم أي ذهبتم يقال انطلق فلان إذا مر متخلفا وأصل الطلاق النخلية من وثاق كما يقال حبس طلقا ويضم أي بلا قيد ولا وثاق والمغانم جمع مغنم بمعنى الغنيمة أي الفتى أي سيقولون عند انطلاقكم إلى مغانم خيبر لنحوزوها حسبما وعدكم إياها وخصكم بها عوضا عما فاتكم من غنائم مكة إذا انصرفوا منها على صلح ولم يصيبوا منها شيئا فالسين يدل على القرب وخيبرا قرب مغانم انطلقوا إليها فهي هي فإن قيل كيف يصح هذا الكلام وقد ثبت أنه عليه السلام أعطى من قدم مع جعفر رضي الله عنه من مهاجري الحبشة وكذا الدوسيين والأشعريين ولم يكونوا ممن حضر الحديبي قلنا كان ذلك باستنزال أهل الحديبية عن شيء من حقهم ولولا أن بعض خيبر كانت صلحا لما قال موسى بن عقبة ومن تبعه ما قالوا وكان ما أعطاهم من ذلك كما في حواشي سعدى المفتي ﴿ذرونا﴾ بكذاريد مارا.
أمر من يذر الشيء أي يتركه ويقذفه لقلة اعتداره به ولم يستعمل ماضيه إلى خيبر ونشهد معكم قتال أهلها ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ بأن يشاركوا في المغانم التي خصها بأهل الحديبية فإنه عليه السلام رجع من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست وأقام بالمدينة بقيتها واوآئل المحرم من سنة سبع ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالا كثيرة فخصها بهم حسبما أمره الله تعالى فالمراد بكلام الله ما ذكر من وعده تعالى غنائم خيبر لأهل الحديبية خاصة لا قوله تعالى لن تخرجوا معي أبدا فإن ذلك في غزوة تبوك ﴿قل﴾
جزء : 9 رقم الصفحة : 2