تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نسأل الله أن يجعلنا على حظ وافر من الإقبال إليه والوقوف لديه ﴿إن الذين يبايعونك﴾ المبايعة باكسى بيع ويا بيعت وعهد كردن اي يعاهدونك على قتال قريش تحت الشجرة وبالفارسية : بدرستي كه آنانكه بيعت ميكنند باتودر حديبية سميت المعاهدة مبايعة تشبيها بالمعاوضة المالية أي مبادلة المال بالمال في اشتمال كل واحد منهما على معنى المبادلة فهم التزموا طاعة النبي عليه السلام والثبات على محاربة المشركين والنبي عليه السلام وعدلهم بالثواب ورضىقال بعض الأنصار عند بيعة العقبة : تكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت فقال عليه السلام : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ولنفسي أن تمنعوني ومما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ونساءكم فقال ابن رواحة رضي الله عنه : فإذا فعلنا فما لنا فقال : لكم الجنة قالوا : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل ﴿إنما يبايعون الله﴾ يعني أن من بايعك بمنزلة من بايع الله كأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة كما قال تعالى أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وذلك لأن المقصود ببيعة رسوله هو وجه الله وتوثيق العهد بمراعاة أوامره ونواهيه قال ابن الشيخ لما كان الثواب إنما يصل إليهم من قبله تعالى كان المقصود بالمبايعة منه عليه السلام المبايعة مع الله وأنه عليه السلام إنما هو سفير ومعبر عنه تعالى وبهذا الاعتبار صاروا كأنهم يبايعون الله وبالفارسية جزين نيست كه بيعت ميكنند باخداى ه مقصود بيعت اوست وبراى طلب رضاى اوسث.

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

قال سعدي المفتي : الظاهر والله أعلم أن المعنى على التشبيه أي كأنهم يبايعون الله وكذا الحال في قوله : ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ أي كأن يد الله حين المبايعة فوق أيديهم حذف أداة التشبيه للمبالغة في التأكيد وذكر اليد لأخذهم بيد رسول الله حين البيعة على ما هو عادة العرب عند المعاهدة والمعاقدة وفيه تشريف عظيم ليد رسول الله التي تعلو أيدي المؤمنين المبايعين حيث عبر عنها بيد الله كما أن وضعه عليه السلام يده اليمنى على يد اليسرى لبيعة عثمان رضي الله عنه تفخيم لشأن عثمان حيث وضعت يد رسول الله موضع يده ولم ينل تلك الدولة العظمى أحد من الأصحاب فكانت غيبته رضي الله عنه في تلك الوقعة خيرا له من الحضور وقال بعضهم : فيه استعارة تخييلية لتنزهه تعالى

19

عن الجارحة وعن سائر صفات الأجسام فلفظ الله في يد الله استعارة بالكناية عن مبايع من الذين يبايعون بالأيدي ولفظ اليد استعارة تخييلية أريد به الصورة المنتزعة الشبيهة باليد مع أن ذكر اليد في حقه تعالى لاجتماعه مع ذكر الأيدي في حق الناس مشاكلة ازداد بها حسن التخييلية ثم إن قوله يد الله فوق أيديهم على كل من القولين تأكيد لما قبله والمقصود تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما وحقيقته أن الله تعالى لو كان من شأنه التمثيل فتمثل للناس لفعل معه عين ما فعل مع نبيه من غير فرق فكان العقد مع النبي صورة العقد مع الله بل حقيقته كما ستجيء الإشارة إليه وقال الراغب في المفردات يقال فلان يد فلان أي وليه وناصره ويقال لأولياء الله هم أيدي الله وعلى هذا الوجه قال الله تعالى : إن الذين يبايعونك الآية ويؤيد ذلك ما روى لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ويده التي يبطش بها انتهى فيكون المعنى قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم كأنه قيل ثق يا محمد بنصرة الله لك لا بنصرة أصحابك ومبايعتهم على النصرة والثبات وقال بعضهم : اليد في الموضعين بمعنى الإلأحسان والصنيعة فالمعنى نعمة الله عليهم في الهداية إلى الإيمان وإلى بيعة الرضوان فوق ما صنعوا من البيعة كقوله تعالى : بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان وقال السدي يأخذون بيد رسول الله ويبايعونه ويد الله أي حفظ تلك المبايعة عن الانتقاض والبطلان فوق أيديهم كما أن أحد المتبايعين إذا مديده إلى الآخر لعقد البيع يتوسط بينهما ثالث فيضع يده على يديهما ويحفظ يديهما إلى أن يتم العقد لا يترك واحدا منهما أن يقبض يده إلى نفسه ويتفرق عن صاحبه قبل انعقاد البيع فيكون وضع الثالث يده على يديهما سببا لحفظ البيعة فلذلك قال تعالى : يد الله فوق أيديهم يحفظهم ويمنعهم عن ترك البيعة ما يحفظ المتوسط أيدي المتبايعين وقال أهل الحقيقة : هذه الآية كقوله تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع الله فالنبي عليه السلام قد فنى عن وجوده بالكلية وتحقق بالله في ذاته وصفاته وأفعاله فكل ما صدر عنه صدر عن الله فمبايعته مبايعة الله كما أن إطاعته إطاعة الله سلمى قدس سره فرموده كه ابن سخن در مقام جمعست وحق سبحانه مرتبه جمع را براى هي كس تصريح نكرده الا براى آنكه اخص واشرف موجوداتست.

جزء : 9 رقم الصفحة : 2

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٩ · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٩ · ص ١٧