تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال بعضهم : العبد المخلص هو الذي يكون سره بينه وبين ربه بحيث لا يعلمه ملك ، فيكتبه ولا شيطان ، فيفسده ، ولا هوى ، فيميله ، ثم لا شك أن من العباد عبادا إذا رأى الشيطان أثر سلطنة ولايتهم وعزة أحوالهم يذوب كما يذوب الملح في الإناء ، ولا يبقى له حيل ولا يطيق أن يمكر بهم ، بل ينسى في رؤيتهم جميع مكرياته ، ولا يطيق أن يرمي إليهم من أسهم وسوسته بل مكره محيط به لا بأهل الحق.

وهكذا حال ورثة الشيطان من المنكرين المفسدين مع أهل الله تعالى ، فإنهم محفوظون عما سوى الله تعالى مطلقا.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

﴿إلا عبادك منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول * لاملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين * قل مآ أسالكم عليه﴾ .

﴿قال﴾ الله تعالى ﴿فالحق﴾ بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر ؛ أي : فالحق قسمي على أن الحق.

إما اسمه تعالى كما في قوله تعالى : ﴿أن الله هو الحق المبين﴾ (النور : 25) أو نقيض لباطل عظمه الله تعالى بإقسامه به ، ويحتمل أن يكون التقدير ، فالحق مني كما قال الحق من ربك.

﴿والحق أقول﴾ بالنصب على أنه مفعول لأقوله قدم عليه للقصر ؛ أي : لا أقول إلا الحق.

﴿لاملأن جهنم منك﴾ ؛ أي : من جنسك من الشيطان ﴿وممن تبعك﴾ في الغواية والضلال بسوء اختياره ﴿منهم﴾ ؛ أي : من ذرية آدم.

﴿أجمعين﴾ تأكيد للكاف وما عطف عليه ؛ أي : لأملأنها من المتبوعين.

والأتباع أجمعين لا أترك أحدا منهم.

وفي "التأويلات النجمية" : ولما كان تجاسره في مخاطبته الحق حيث أصر على الخلاف وأقسم عليه أقبح وأولى في استحقاق اللعنة من امتناعه للسجود لآدم قال : فالحق إلخ.

انتهى.

فعلى العاقل أن يتأدب بالآداب الحسنة قولا وفعلا ولا يتجاسر على الله تعالى أصلا ولا يتبع خطوات الشيطان حتى لا يرد معه النار وعن أبي موسى الأشعري ، قال : إذا أصبح إبليس بث جنوده ، فيقول : من أضل مسلما ألبسته التاج ، قال : فيقول له القائل : لم أزل بفلان حتى طلق امرأته ، قال : يوشك أن يتزوج.

ويقول الآخر : لم أزل بفلان حتى عق ؛ أي : عصى والديه أو أحدهما.

قال : يوشك أن يبر ، قال : فيقول القائل : لم أزل بفلان حتى شرب.

قال : أنت ، أي : أنت فعلت شيئا عظيما أرضى عنه.

قال : ويقول الآخر : لم أزل بفلان حتى زنى ، فيقول : أنت.

قال : ويقول الآخر : لم أزل بفلان حتى قتل ، فيقول : أنت أنت ، أي : أنت صنعت شيئا أعظم وحصلت غاية أمنيتي ، وكمال رضاي ، وذلك لأن وعيد القتل أشد وأعظم كما قال

66

تعالى ، ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له﴾ (النساء : 93).

إلخ.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

فلذلك كرر : أنت.

إشارة إلى كمال رضاه عنه وعن بعض الأشياخ أنه قال : الشيطان أشد بكاء على المؤمن إذا مات لما فاته من افتنانه إياه في الدنيا.

ويقال : لما أنظر الله إبليس وأهبطه إلى الأرض أعطاه منشور الدنيا ، فأول نظره منه وقعت على الجبال فمن شؤمه من ذلك الوقت لا تحتمل الماء للأحجار بل يرسلها إلى أسفله ، ومن كان على دينه لا يبقى على الصراط ما لم ينته إلى أسفل السافلين فيا خسارة من كان إنسانا دخل النار معه.

﴿قل﴾ يا محمد للمشركين ﴿قل مآ﴾ نيمخواهيم ازشما ﴿عليه﴾ ؛ أي : على القرآن الذي أتيتكم به ، أو على تبليغ الوحي وأداء الرسالة.

6

﴿من أجر﴾ من مال دنيوي ، ولكن أعلمكم بغير أجر ، وذلك لأن من شرط العبودية الخالصة أن لا يراد عليها الجزاء ولا الشكور ، فمن قطع رأس كافر في دار الحرب أو أسره وأحضره عند رئيس العسكر ، ليعطي له مالا ، فقد فعله للأجر لاتعالى ، وعلى هذه جميع ما يتعلق به الأغراض الفاسدة :

فرادا كه بيشكاه حقيقت شود بديد

شرمنده رهروى كه عمل برمجاز كرد

﴿ومآ أنا من المتكلفين﴾ ؛ أي : المتصنعين بما ليسوا من أهله على ما عرفتم من حالي حتى انتحل النبوة ؛ أي : أدعيها لنفسي كاذبا وأتقول القرآن من تلقاء نفسي وبالفارسية : (ومن نيستم از جماعتى كه بتصنع ازخود جيزى ظاهر كنند وبرسازند كه ندارند).

وحاصله : ما جئتكم باختياري دون أن أرسلت إليكم ، فكل من قال شيئا من تلقاء نفسه ، فقد تكلف له.

والتكلف في الأصل التعسف في طلب الشيء الذي لا يقتضيه إلا العقل.

وفي "تاج المصادر" : التكلف (رنج جيزى بكشيدن واز حويشتن جيزى نمودن كه آن نباشد).

والمتكلف : المتعرض لما لا يعينه.

انتهى.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ٤٩