﴿قال﴾ إبليس ﴿رب﴾ .
(اى برورد كارمن).
﴿فأنظرنى﴾ .
الإنظار : الإمهال والتأخير والفاء : فصيحة ؛ أي : إذا جعلتني رجيما ، فأمهلني ولا تمتني.
﴿إلى يوم يبعثون﴾ .
من قبورهم للجزاء ، وهو يوم القيامة.
والمراد آدم وذريته.
(والبعث : مرده زارنده كردن).
وأراد بدعائه أن يجد فسحة لإغوائهم ويأخذ منهم ثأره وينجو من الموت بالكلية إذ لا موت بعد يوم البعث ، فلم يجب ، ولم يوصل إلى مراده.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
﴿قال﴾ الله تعالى ﴿فإنك من المنظرين﴾ ؛ أي : من جملة الذين أخرت آجالهم أزلا بحسب الحكمة كالملائكة ونحوهم.
﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾ الذين قدره الله وعينه لفناء الخلائق ، وهو وقت النفخة الأولى لا إلى وقت البعث الذي هو المسؤول.
قال في "آكام المرجان" : ظاهر القرآن يدل على أن إبليس غير مخصوص بالإنظار.
وأما ولده وقبيله ، فلم يقم دليل على أنهم منظرون معه.
وقال بعضهم : الشياطين يتوالدون ولا يموتون إلى وقت النفخة الأولى بخلاف الجن ، فإنهم يتوالدون ويموتون ، ويحتمل أن بعض الجن أيضا منظرون ، كما أن بعض الإنس ، كالخضر عليه السلام كذلك.
وفيه أن الظاهر أن يموت الخضر ، وأمثاله حين يموت المؤمنون ، ولا يبقى منهم أحد وذلك قبل الساعة بكثير من الزمان ، ثم إن قوله تعالى : ﴿فإنك﴾ إلخ.
إخبار من الله تعالى بالإنظار المقدر أزلا لا إنشاء لإنظار خاص به قد وقع إجابة لدعائه.
وكان استنظاره طلبا لتأخير الموت لا لتأخير العقوبة هكذا في "الإرشاد".
يقول الفقير : لا شك أن الله تعالى استجاب دعاء إبليس ليكون طول بقائه في الدنيا أجرا له في مقابلة طول عبادته قبل لعنه ودعاء الكافر مستجاب في أمور الدنيا ، فلا مانع أن يكون إنظاره بطريق الإنشاء يدل عليه ترتيبه على دعائه الحادث ، وذلك لا يمنع كونه من المنظرين أزلا لأن كل أمر حادث في جانب الأبد ، فهو مبني على أمر قديم في الأزل ألا ترى أن كفره بإنشاء استقباح أمر الله تعالى مبني على كفره الأزلي في علم الله تعالى ثم لا مانع أن يكون الاستنظار لطلب تأخير الموت وتأخير العقوبة جميعا ، لأن اللعن من موجبات العقوبة ، فطلب الإنظار خوفا من العذاب المعجل ولما حصر مراده صرح بالإغواء لأجل الانتقام ؛ لأن آدم هو الذي كان سبب لعنه.
وفي الآية إشارة إلى أن من أبعده الحق وطرده قلب عليه أحواله حتى يجر إلى نفسه أسباب الشقاوة كما دعا إبليس ربه وسأله الإنظار من كمال شقاوته ليزداد إلى يوم القيامة إثمه الذي هو سبب عقوبته واغتر بالمدة الطويلة ، ولم يعلم أن ما هو آت قريب (عمر اكرجه دراز بود جون مرك روغود ازان درازى جه سود نوح عليه السلام هزار سال در جهان بسر برده است امروز جند هزار سالست كه مرده است) :
دريغا كه بكذشت عمر عزيز
بخواهد كذشت اين دم جندنيز
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
فأنظره الله تعالى وأجابه إذ سأله بربويته ليعلم أن كل من سأله باسم الرب ، فإنه يجيبه كما أجاب إبليس ، وكما أجاب آدم عليه السلام إذ قال) ﴿ربنا ظلمنآ أنفسنا﴾ (الأعراف : 23) ، فأجابه ﴿فتاب عليه وهدى﴾ (طه : 122).
﴿قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم * قال فبعزتك لاغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين﴾ .
﴿قال﴾
65
إبليس عليه ما يستحق.
﴿فبعزتك﴾ الباء : للقسم ؛ أي : فأقسم بعزتك ؛ أي : بقهرك وسلطانك.
وبالفارسية : (بغالبيت وقهر توسو كند).
ولا ينافيه قوله تعالى حكاية : ﴿فبمآ أغويتنى﴾ (الأعراف : 16) ، لأن إغواء إياه أثر من آثار قدرته وعزته ، وحكم من أحكام قهره وسلطنته.
ولهذه النكتة الخفية ورد الحلف بالعزة مع أن الصفات اللائقة للحلف كثير.
وفي "التأويلات النجمية" : ثم إبليس لتمام شقاوت.
قال : فبعزتك إلخ.
ولو عرف عرته لما أقسم بها على مخالفته.
﴿لاغوينهم أجمعين﴾ لأحملنهم على الغي ، وهو ضد الرشد ولأكونن سببا لغوايتهم ؛ أي : ذرية آدم بتزيين المعاصي لهم وإدخال الشكوك والشبهات فيهم ، والإغواء بالفارسية (كمراه كردن).
ثم صدق حيث استثنى ، فقال :
﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ ؛ أي : عبادك المخلصين من ذرية آدم ، وهم الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته ، وعصمهم من الغواية.
وقرىء بالكسر على صيغة الفاعل ؛ أي : الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهمتعالى من غير شائبة الرياء.
وفي "التأويلات النجمية" ، ثم لعجزه وعزة عباد الله ، قال : إلا عبادك منهم المخلصون في عبوديتك.
انتهى.