تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي "المفردات" : تكلف الشيء ما يفعله الإنسان بإظهار كلفة مع مشقة تناله في تعاطيه ، وصارت الكلفة في التعاريف اسما للمشقة.

والتكلف اسم لما يفعل بمشقة أن بتصنع أو تشبع.

ولذلك صار التكليف ضربين : محمودا ، وهو ما يتحراه الإنسان ليتوصل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلا عليه ويصبر كلفا به ومحبا له ، وبهذا النظر استعمل التكليف في تكليف العبادات.

والثاني : ما يكون مذموما ، وإياه عنى بقوله : ﴿ومآ أنا من المتكلفين﴾ .

وصح في الحديث النهي عن التكلف كما قال عليه السلام : "أنا بريء من التكلف" ، وصالحوا أمتي.

وفي حديث آخر : "أنا والأتقياء من أمتي برأآء من التكلف".

وكذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن السجع في الدعاء ؛ لأنه من باب التكلف والتصنع.

ومن هذا قال أهل الحقائق : لا يعين للصلاة شيئا من القرآن بل يقرأ أول ما يقرع خاطره في أول الركعة ، فإنه المسلك الذي اختار الله تعالى له وعنه عليه السلام للمتكلف ثلاث علامات ينازع من فوقه ، يعني : (يكى آنكه نزاع كند باكسى كه بر ترازوست ، "ويتعاطى ما لا ينال" يعني : دوم آنكه ميخواهد كه فرا كيرد آنجه يافتن آن نه مقدور اوست) "ويقول ما لم يعلم" ، يعني : (سوم آنكه كويد جيزى كه نداند).

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : يا أيها الناس من علم شيئا ، فليقل ، ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم ، فإن من

67

العلم أن تقول لما لا تعلم.

الله أعلم.

فإنه تعالى قال لنبيه عليه السلام : ﴿ومآ أنا من المتكلفين﴾ .

وفي الحديث : "من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماوات والأرض".

﴿إن هو﴾ ؛ أي : ما هو يعني : (نيست اين كه من أوردم ازخدا).

يعني : القرآن والرسالة.

﴿قل مآ أسالكم عليه من أجر ومآ أنا من المتكلفين * إن هو إلا ذكر للعالمين * ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ .

﴿إلا ذكر﴾ ؛ أي : عظة من الله تعالى ، وأيضا : شرف وذكر باق ﴿للعالمين﴾ للثقلين كافة.

﴿ولتعلمن﴾ أيها المشركون.

﴿نبأه﴾ ؛ أي : ما أنبأ القرآن به من الوعد والوعيد وغيرهما ، أو صحة خبره ، وأنه الحق والصدق.

﴿بعد حين﴾ .

بعد الموت ، أو يوم القيامة حين لا ينفع العلم وفيه تهديد.

قال في "المفردات" : الحين وقت بلوغ الشيء وحصوله ، وهو مبهم المعنى ويتخصص بالمضاف إليه نحو ﴿ولات حين مناص﴾ (ص : 3).

ومن قال حين على أوجه للأجل نحو ﴿ومتعناهم إلى حين﴾ (يونس : 98) وللسنة نحو ﴿تؤتى أكلها كل حين﴾ (إبراهيم : 25).

وللساعة نحو ﴿حين تمسون﴾ ، وللزمان المطلق نحو ﴿هل أتى على الانسان حين من الدهر﴾ (الإنسان : 1).

﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ ، فإنما فسر ذلك بحسب ما وجده ، وقد علق به.

انتهى.

قال الحسن بن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين ، فينبغي للمؤمن أن يكون بحيث لو كشف الغطاء ما ازداد يقينا ، ومن كلام سيدنا علي رضي الله عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا :

حال وخلد وجحيم دانستم

بيقين آنجنانكه مى بايد

كر حجاب از ميانه بركير ند

آن يقين ذره نيفزايد

(معنى اين كلمه آنست كه داردنيا سراى حجابست وأحوال آخرت مرا يقين كشته است ازحشر ونشر وثواب ونعيم وجحيم وغير آن بس اكر حجاب بردارندتا آن جمله ار مشاهده كنم يك ذره در يقين من زيادت نشود كه علم اليقين من امروز جو عين اليقين منست در فردا).

وأخبر القرآن أن الكفار يؤمنون بعد الموت بالقرآن ، وبما أخبر به ، ولكن لا يقبل إيمانهم.

وسئل أبو القاسم الحكيم ، فقيل له : العاصي يتوب من عصيانه أم كافر يرجع من الكفر إلى الإيمان ، فقال : بل عاص يتوب من عصيانه ، لأن الكافر في حال كفره أجنبي ، والعاصي في حال عصيانه عارف بربه ، والكافر إذا أسلم ينتقل من درجة الأجانب إلى درجة المعارف والعاصي إذا تاب ، ينتقل من درجة المعارف إلى درجة الأحباء ، فلا بد من التوبة والتوجه إلى الله تعالى قبل الموت حتى يزول التهديد والوعيد ، ويظهر الوعد والتأييد ويحصل الانبساط في جميع المواطن ، وينصب الفيض في الظاهر والباطن بلطفه تعالى وكرمه.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ٥٠