﴿إلا إبليس﴾ ؛ فإنه لم يسجد والاستثناء متصل ؛ لأنه من الملائكة فعلا ومن الجن نوعا.
ولذلك تناوله أمرهم.
وكان اسم إبليس قبل أن يبلس من رحمة الله عزازيل ، والحارث وكنيته أبو كردوس وأبو مرة ؛ كأنه سئل كيف ترك السجود هل كان ذلك للتأمل والتروي ، أو غير ذلك فقيل : ﴿استكبر﴾ .
(الاستكبار : كردن كشى كردن) ؛ أي : تعظم : وبالفارسية : (بزرك داشت خودرا وفرمان نبرد).
وسببه أنه كان أعور فما رأى آثار أنوار التجلي على آدم عليه السلام :
در محفلى كه خورشيد أندرشمار ذره است
خودرا بزرك ديدن شرط ادب نباشد
﴿وكان من الكافرين﴾ في علم الله أزلا بالذات.
وفي الخارج أبدا باستقباح أمر الله ولذا كانت شقاوته ذاتية لا عارضية وسعادته في البين عارضية لا ذاتية : قال الحافظ :
من آن نكين سليمان بهيج نستانم
كه كاه كاه برودست اهر من باشد
فالعبرة لما هو بالذات.
وذلك لا يزول لا لما هو بالعرض إذ ذاك يزول ، ومن القبيل حال برصيصا وبلعام ونحوهما ، ممن هو مرزوق البداية ومحروم النهاية.
فالعصاة كلهم في خطر المشيئة بل الطائعون لا يدرون بما ذا يختم لهم.
قالوا : إن الإصرار على المعاصي يجر كثيرا من العصاة إلى الموت على الكفر والعياد بالله تعالى كما جاء في تفسير قوله تعالى :
59
﴿كان عاقبة الذين أساءوا السواأى أن كذبوا بآيات الله﴾ .
(الروم : 10) والاستهزاء بها.
وذلك هو الكفر أعاذنا الله وإياكم منه.
ومن أسبابه المؤدية إليه وأماتنا على ملة الإسلام ، وجعلنا من المقبولين لديه ، إنه السميع للدعاء في كل الحضرات والمجيب للرجاء في كل الحالات.
﴿قال﴾ الله تعالى لإبليس مشافهة حين امتنع من السجود.
يا اإبليس} ، وهذه مشافهة لا تدل على إكرام إبليس إذ يخاطب السيد عبده بطريق الغضب وتمامه في سورة الحجر.
﴿مآ﴾ ؛ أي : شيء ﴿منعك﴾ من ﴿أن تسجد﴾ ؛ أي : دعاك إلى ترك السجود ﴿لما﴾ ؛ أي : لمن.
﴿خلقت بيدى﴾ خصصته بخلقي إياه بيدي كرامة له ؛ أي : خلقته بالذات من غير توسط أب وأم ، فذكر اليد لنفي توهم التجوز ؛ أي : لتحقيق إضافة خلقه إليه تعالى وإسناد اليد إلى أب بعد قيام البرهان على تنزهه عن الأعضاء مجاز عن التفرد في الخلق والإيجاد تشبيها لتفرده بالإيجاد باختصاص ما عمل الإنسان بها ، والتثنية في اليد لما في خلقه من مزيد القدرة ، واختلاف الفعل ، فإن طينته خمرت أربعين صباحا ، وكان خلقه مخالفا لسائر أبناء جنسه المتكونة من نطفة الأبوين ، أو من نطفة الأم مميزا عنه ببديع صنعه تعالى.
ولقد نظم الحكيم السنائي بعض التأويلات الفارسية :
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
يد او قدرتست ووجه بقاش
آمدن حكمش ونزول عطاش
اصبعيش نفاذ حكم قدر
قد مينش جلال وقهر وخطر
(ودر بعضى تفسير آمده كه مراد يد قدرت ويد نعمتست ودر فتوحات فرموده كه قدرت ونعمت شاملست همه موجودات را "لأنه خلق إبليس بالقدرة التي خلق بها آدم" بس بدين منوال تأويل آدم راهيج شر في ثابت نشود بس لابداست از آنكه بيدى معنى باشدكه دلالت كند برتشريف آدم عليه السلام بر حمل نسبتين تنزيه وتشبيه كه آدم جامع هر دو صفتست مناسب مى نمايد).
وفي "بحر الحقائق" : يشير بيدي إلى ضفتي اللطف والقهر ، وهما تشتملان على جميع الصفات ، وما من صفة إلا وهي.
إما من قبيل اللطف ، وإما من قبيل القهر ، وما من مخلوق من جميع المخلوقات إلا وهو إما مظهر صفة اللطف ، أو مظهر صفة القهر ، كما أن الملك مظهر صفة لطف الحق والشيطان مظهر صفة قهر الحق إلا الآدمي ، فإنه خلق مظهر كلتا صفتي اللطف والقهر والعالم بما فيه بعضه مرآة صفة لطفه تعالى ، وبعضه مرآة صفة قهره تعالى.
والآدمي مرآة ذاته وصفاته تعالى كما قال : ﴿سنريهم ءاياتنا فى الافاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ (فصلت : 53) وبهذه الجامعية كان مستحقا لمسجوديه الملائكة : (ودرين معنى كفته اند).
آمد آبينه جميله ولى
همجو آبينه نكرده جلى
كشت آدم جلاء ابن مرآت
شدعيان ذات أو بجمله صفات
مظهرى كشت كلى وجامع
سر ذات وصفات از ولامع
والحاصل : إن الله تعالى أوجد العالم ذا خوف ورجاء فنخاف غضبه ونرجو رضاه ، فهذا الخوف والرجاء أثر صفتي الغضب والرضا ، ووصف تعالى نفسه بأنه جميل وذو جلال ؛ أي : متصف بالصفات الجمالية ، وهي ما يتعلق باللطف والرحمة ومتصف بالصفات الجلالية ، وهي
60