تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما يتعلق بالقهر والغلبة ، فأوجدنا على أنس وهيبة ، فالإنس من كونه جميلا ، والهيبة من كونه جليلا.

وهكذا جميع ما ينسب إليه تعالى ، ويسمى به من الأسماء المتقابلة كالهداية والإضلال والإعزاز والإذلال وغيره ، فإنه سبحانه أوجدنا بحيث نتصف بها تارة ، ويظهر فينا آثارها تارة ، فعبر عن هذين النوعين المتقابلين من الصفات باليدين لتقابلهما ، وتصرف الحق بهما في الأشياء ، وهاتان اليدان هما اللتان توجهتا من الحق سبحانه على خلق الإنسان الكامل ، لكونه الجامع لحقائق العالم ومفرداته التي هي مظاهر لجميع الأسماء ، فلهذا السر ثنى الله اليدين.

وأما الجمع في قوله : ﴿مما عملت أيدينآ﴾ (يس : 71) ، فوارد على طريق التعظيم كما هو عادة الملوك.

وأيضا : إن العرب تسمى الاثنين جميعا ، كما في قوله تعالى : ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ (التحريم : 4).

وأما الواحد في قوله تعالى : ﴿يد الله﴾ (الفتح : 10) فباعتبار المبدأ والمآل ، والله الملك المتعال.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

﴿أستكبرت﴾ بقطع الألف ، أصله : أستكبرت ، أدخلت همزة الاستفهام للتوبيخ والإنكار على همزة الوصل ، فحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام وبقيت همزة الاستفهام مفتوحة.

والمعنى : أتكبرت من غير استحقاق.

﴿أم كنت من العالين﴾ المستحقين للتفوق والعلو ، ويحتمل أن يكون المراد بالعالين ، الملائكة المهيمين الذين ما أمروا بالسجود لآدم لاستغراقهم في شهود الحق ، وهم الأرواح المجردة كما سبق بيانهم في سورة الحجر.

﴿قال﴾ إبليس إبداء للمانع.

قال الكاشفي : (إبليس شق ثاني اختيار كرده كفت).

﴿أنا خير منه﴾ ؛ أي : أفضل من آدم.

وفي المثنوي :

علتى بدتر زبندار كمال

نيست اندرجان تو اى ذو دلال

علت إبليس انا خيرى بدست

وين مرض در نفس هر مخلوق هست

كرجه خودرا بس شكسته بيند او

آب صافى دان وسركين زير جو

جون بشوراند ترا در امتحان

آب سركين رنك كرد در زمان

ثم بين وجه الخيرية بقوله : ﴿خلقتنى من نار﴾ .

(بيافريدى مرا ازآتش واورا لطافت ونورانيت است).

نسب خلقه إلى النار باعتبار الجزء الغالب إذ الشيطان مخلوق من نار وهواء مع أنا نقول أن الله تعالى قادر على أن يخلقه من نار فقط من غير اختلاط شيء آخر معها من سائر العناصر ، ولا يستحيله إلا فلسفي أو متفلسف.

﴿وخلقته من طين﴾ .

(وبيافريدي ازكل كه در كثافت وظلمانيت است).

نسب خلقه إلى الطين باعتبار الجزء الغالب أيضا إذ آدم مخلوق من العناصر الأربعة.

والمعنى : لو كان آدم مخلوقا من نار لما سجدت له ؛ لأنه مثلي ، فكيف أسجد لمن هو دوني ، لأنه من طين.

والنار تغلب الطين وتأكله ، فلا يحسن أن يسجد الفاضل للمفضول ، فكيف يحسن أن يؤمر ظن أن ذلك شرف له ، ولم يعلم أن الشرف يكتسب بطاعة الله تعالى.

ولقد أخطأ اللعين حيث خص الفضل بما من جهة المادة ، والعنصر وزل عما من جهة الفاعل كما أنبأ عنه قوله تعالى : ﴿لما خلقت بيدى﴾ .

وما من جهة الصورة كما نبه عليه قوله تعالى : ﴿ونفخت فيه من روحى﴾ .

وأما من جهة الغاية ، وهو ملاك الأمر كما قال تعالى : ﴿وعلم ءادم الاسمآء﴾ (البقرة : 31).

ولذلك أمر الملائكة بسجوده حين ظهر لهم أنه أعلم منهم بما يدور عليه أمر الخلافة في الأرض ، وأن له خواص ليست لغيره.

وفي تفسير سورة ﴿ا والقرءان ذى الذكر﴾ يعني أن النار أقرب إلى الأشرف الذي

61

هو الفلك ، وهي خليفة الشمس والقمر في الإضاءة والحرارة ، وهي ألطف من الأرض ، وهي مشرقة ، وهي شبيه الروح ، وأشرف الأعضاء القلب والروح.

وهما على طبيعة النار ، وكل جسم أشبه النار كالذهب والياقوت ، فهو أشرف ، والشمس أشرف الأجسام.

وهي تشبه النار في الطبع والصورة.

وأيضا : لم يتم المزاج إلا بالحرارة ومآل كل هذه إلى أن أصله خير فهو خير وهذا ممنوع.

ولذا قال من قال : ()

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

أنفخر باتصالك من علي

وأصل البولة الماء القراع

وليس بنافع نسب زكي

تدنسه صنائعك القباح

فيجوز أن يكون أصل أجد الشيئين أفضل وينضم إليه ما يقتضي مرجوحيته ، كما في إبليس.

فإنه قد انضم إلى أصله عوارض رديئة كالكبر والحسد والعجب والعصيان ، فاقتضت اللعنة عليه.

وأمر آدم عليه السلام بالعكس.

وقال في آكام المرجان} : اعلم أن هذه الشبهة التي ذكرها إبليس إنما ذكرها على سبيل التعنت ، وإلا فامتناعه عن السجود لآدم إنما كان عن كبر وكفر ومجرد إباء وحسد.

ومع ذلك فما أبداه من الشبهة ، فهو داحض ؛ أي : باطل ؛ لأنه رتب على ذلك أنه خير من آدم لكونه خلق من نار ، وآدم خلق من طين.

ورتب على هذا أنه لا يحسن منه الخضوع لمن هو دونه ، وهذا باطل من وجوه :

الأول : أن النار طبعها الفساد وإتلاف ما تعلقت به بخلاف التراب ، فإنه إذا وضع القوت فيه أخرجه أضعاف ما وضع فيه بخلاف النار ، فإنها آكلة لا تبقي ولا تذر.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ٤٥