قال الراغب : الروح اسم للنفس ، وذلك لكون النفس بعض الروح ، فهو كتسمية النوع باسم الجنس كتسمية الإنسان بالحيوان وجعل اسما للجزء الذي به تحصل الحياة والتحرك واستجلاب المنافع واستدفاع المضار ، وهو المذكور في قوله : ﴿قل الروح من أمر ربى﴾ (الإسراء : 85).
وقوله : ﴿ونفخت فيه من روحى﴾ ، وإضافته تعالى إلى نفسه إضافة ملك وتخصيصه بالإضافة تشريف له وتعظيم كقوله : ﴿وطهر بيتى﴾ (الحج : 26).
انتهى.
قال الإمام الغزالي رحمه الله : إن الروح روحان : حيواني وهي التي تسميها الأطباء المزاج ، وهي جسم لطيف بخاري معتدل سار في البدن الحامل لقواه من الحواس الظاهرة ، والقوى الجسمانية.
وهذه الروح تفنى بفناء البدن وتنعدم بالموت.
وروح روحاني ، وهي التي يقال لها : النفس الناطقة ، ويقال لها : اللطيفة الربانية ، والعقل والقلب من الألفاظ الدالة على معنى واحد لها تعليق بقوى النفس الحيوانية.
وهذه الروح لا تفنى بفناء البدن وتبقى بعد الموت.
يقول الفقير : قال شيخي وسندي روح الله روحه في بعض تحريراته : اعلم أن الروح من حيث جوهره وتجرده ، وكونه من عالم الأرواح المجردة مغاير للبدن متعلق به تعلق التدبير والتصرف قائم بذاته غير محتاج إليه في بقائه ودوامه ، ومن حيث أن البدن صورته ومظهر كمالاته وقواه في عالم الشهادة محتاج إليه غير منفك عنه ، بل سار فيه لا كسريان الحلول المشهور عند أهله ، بل كسريان الوجود المطلق الحق في جميع الموجودات ، فليس بينهما مغايرة من كل الوجوه بهذا الاعتبار ، ومن علم كيفية ظهور الحق في الأشياء ، وأن الأشياء من أي وجه عينه ، ومن أي وجه غيره يعلم كيفية ظهور الروح في البدن ، ومن أي وجه عينه ، ومن أي وجه غيره ؛ لأن الروح رب بدنه ، فمن تحقق له حال الرب مع المربوب تحقق له ما ذكرنا ، وهو الهادي إلى العلم والفهم.
هذا كلامه قدس سره ، فاحفظه ودع عنك القيل والقال.
قال السمرقندي في "بحر العلوم" : الظاهر أن هذا النفخ بغير وسط وسبب من ملك ويجوز أن يكون بوسط ملك نفخ فيه الروح بإذنه ، كما صرح به النبي عليه السلام في خلق بني آدم بقوله : (يرسل الله ملكا فينفخ فيه الروح).
الحديث ، وفيه كلام.
انتهى.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
يقول الفقير : لا يجوز ذلك ، لأن مقام التشريف يأبى عنه لا سيما وقد قال :
58
﴿ونفخت فيه﴾ .
وقال : ﴿خلقت بيدى﴾ ، فإنه لا معنى لارتكاب التجوز في مثله.
وأما أولاده ، فيجوز ذلك فيهم لظهورهم بالوسائط.
ومنهم عيسى عليه السلام لظهوره بوساطة أمه ، فيجوز أن النافخ في حقه هو جبريل عليه السلام ، وإن كان الله قد أضافه إلى نفسه في قوله : ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ (الأنبياء : 91).
ثم يقول الفقير : نفخ الروح عندي عبارة عن إظهارها في محلها وعبر عنه بالنفخ ؛ لأن البدن بعد ظهور الروح فيه يكون كالمنفوخ المرتفع الممتلىء ألا ترى إلى أن الميت يبقى بعد مفارقة الروح كالخشب اليابس ، ففيه رمز آخر في سورة الحجر.
ثم في إضافة الروح إشارة إلى تقديم روح آدم على أرواح الملائكة وغيرها ؛ لأن المضاف إلى القديم قديم ، وإن كان جسد بعض الأشياء متقدما على جسده.
﴿فقعوا له﴾ أمر من وقع يقع ؛ أي : اسقطوا له : وبالفارسية : (بس بروى در افتيد).
وفيه دليل على أن المأمور به ليس مجرد انحناء كما قيل ، وكذا في قوله : ﴿ساجدين﴾ ، فإن حقيقة السجود وضع الوجه على الأرض ؛ أي : حال كونكم ساجدين لاستحقاقه للخلافة.
وهذه السجود من باب التحية والتكريم ، فإنه لا يجوز السجود لغير الله على وجه العبادة لا في هذه الأمة ولا في الأمم السابقة ، إنما شاع بطريق التحية للمتقدمين ثم أبطله الإسلام.
﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين * قال يا اإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدىا أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من﴾ .
﴿فسجد الملائكة﴾ ؛ أي : فخلقه فسواه ، فنفخ فيه الروح ، فسجد له الملائكة خلافة عن الحق تعالى إذ كان متجليا فيه ، فوقعتت هيبته على الملائكة ، فسجدوا له وأول من سجد له إسرافيل.
ولذلك جوزي بولاية اللوح المحفوظ قاله السهيلي نقلا عن النقاش.
﴿كلهم﴾ بحيث لم يبق منهم أحد إلا سجد ﴿أجمعون﴾ بطريق المعية بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد ولا اختصاص لإفادة هذا المعنى بالحالية ، بل يفيده التأكيد أيضا :
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
جون ملك أنوار حق دوري بيافت
در سجود افتاد ودرخدمت شتافت