تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الحسن : كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخريا ، وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم.

والمعنى : إنكار كل واحد من الفعلين على أنفسهم توبيخا لهم.

ويجوز أن تكون أم منقطعة.

والمعنى : اتخذناهم سخريا ، بل زاغت عنهم أبصارنا في الدنيا تحقيرا لهم ، وكانوا خيرا منا ونحن لا نعلم على معنى توبيخ أنفسهم على الاستسخار ، ثم الإضراب ، والانتقال منه إلى التوبيخ على الازدراء والتحقير (در آثار آمده كه حق سبحانه وتعالى آن كروه فقرارا برغرفات بهشت جلوه دهد تاكفار ايشانرا بينند وحسرت ايشان زياده شود).

﴿إن ذالك﴾ الذي حكي من أحوالهم.

﴿لحق﴾ لا بد من وقوعه البتة.

﴿تخاصم أهل النار﴾ : خبر مبتدأ محذوف.

والجملة بيان لذلك ؛ أي : هو تخاصم إلخ ، يعني تخاصم القادة والأتباع : وبالفارسية : (جنك وجدل كردن أهل دوزخ وماجراى ايشان).

وهذا إخبار عما سيكون وسمي ذلك تخاصما على تشبيه تقاولهم ، وما يجري بينهم من السؤال والجواب بما يجري بين المتخاصمين من نحو ذلك.

وفي "التأويلات النجمية" وبقوله : ﴿وقالوا ما لنا﴾ إلخ ، يشير إلى تخاصم أهل النار مع أنفسهم يسخرون بأنفسهم كما كانوا يسخرون بالمؤمنين ، فيقولون : ﴿ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار * أتخذناهم سخريا﴾ ، وما كانوا من الأشرار.

﴿أم زاغت عنهم الابصار﴾ فلا نراهم معنا وهم ها هنا.

﴿إن ذالك﴾ التخاصم ﴿لحق﴾ مع أنفسهم ﴿تخاصم أهل النار﴾ من الندامة حين لا ينفعهم التخاصم ولا الندامة.

انتهى.

وفي الآية ذم ، وفي الحديث : "اتخذوا الأيادي عند الفقراء قبل أن تجيء دولتهم ، فإذا كان يوم القيامة يجمع الله الفقراء والمساكين ، فيقال : تصفحوا الوجوه ، فكل من أطعمكم لقمة أو سقاكم شربة ، أو كساكم خرقة ، أو دفع عنكم غيبة ، فخذوا بيده وأدخلوه الجنة" : قال الحافظ :

ازكر ان تابكران لشكر ظلمست ولى

از ازل تابايد فرصت دوريشانست

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

وفي الحديث : "ملوك الجنة كل أشعث أغبر إذا استأذنوا في الدنيا لم يؤذن لهم ، وإن خطبوا النساء لم ينكحوا ، وإذا قالوا لم ينصت لقولهم ، ولو قسم نور أحدهم بين أهل الأرض لوسعهم" ، كذا في "أنيس المنقطعين" : قال الحافظ :

نظر كردن بدر ويشان منافى بزركى نيست

سليمان باجنان حشمت نظر هابود بامورش

اللهم اجعل حليتنا حب الفقراء واحشرنا في الدنيا والآخرة مع الفقراء.

﴿إن ذالك لحق تخاصم أهل النار * قل إنمآ أنا منذرا وما من إلاه إلا الله الواحد القهار * رب السماوات والارض وما بينهما العزيز الغفار * قل هو نبؤا عظيم * أنتم عنه معرضون * ما كان لى من علما بالملا﴾ .

﴿قل﴾ يا محمد لمشركي

54

مكة ﴿إنمآ أنا منذر﴾ رسول منذر من جهته تعالى أنذركم وأحذركم عذابه على كفركم ومعاصيكم.

وقل أيضا : ﴿وما من إلاه﴾ في الوجود ﴿إلا الله الواحد﴾ الذي لا يقبل الشركة والكثرة أصلا ؛ أي : لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فلا ملجأ ولا مفر إلا إليه ، يعني من عرف أنه الواحد أفرد قلبه له ، فكان واحدا به.

وقد فسر قوله عليه السلام : "إن الله وتر يحب الوتر" ، يعني : القلب المنفرد له : ()

إذا كان ما تهواه في الحسن واحدا

فكن واحدا في الحب إن كنت تهواه

ومن خاصية هذا الاسم أن من قرأها ألف مرة خرج الخلائق من قلبه ﴿القهار﴾ لكل شيء سواه ، ومن الأشياء آلهتهم ، فهو يغلبهم ، فكيف تكون له شركاء ، وأيضا يقهر العباد بذنوبهم ومعاصيهم.

قال الكاشفي : (قهر كننده كه بناى آمال را بقواصف آجال درهم شكند باشركت متوهم وكثرت بي اعتبار را في نفس الأمروجود ندارد در نظر عارف مضمحل ومتلاشى سازد) :

غيرتش غير درجهان نكذاشت

وحدتشن اسم اين وآن برداشت

كم شود جمله ظلمت بندار

نزد أنوار واحد قهار

يقول الفقير : سمعت من حضرة شيخي وسندي قدس سره ، يقول : في هذه الآية ترتيب أنيق ، فإن الذات الأحدية تدفع بوحدتها الكثرة وبقهرها الآثار ، فيضمحل الكل ، فلا يبقى سواه تعالى.

قال بعضهم : القهار الذي له الغلبة التامة على ظاهر كل أمر وباطنه ، ومن عرف قهره لعباده نسي مراد نفسه لمراده ، فكان له ، وبه لا لأحد سواه ، ولا شيء دونه.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

وخاصية هذا الاسم إذهاب حب الدنيا وعظمة ما سوى الله تعالى عن القلب ، ومن أكثر ذكره ظهرت له آثار القهر على عدوه ، ويذكر عند طلوع الشمس ، وجوف الليل لإهلاك الظالم بهذه الصفة : يا جبار ، يا قهار ، يا ذا البطش الشديد مرة ثم تقول : خذ حقي ممن ظلمني وعدا علي.

وفي "الأربعين الإدريسية" : يا قاهر ، ذا البطش الشديد الذي لا يطاق انتقامه يكتب على جام صيني لحل المعقود وعلى ثوب الحرب في وقته لقهر الأعداء وغلبة الخصوم.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ٤٠