تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي "التأويلات النجمية" : الذي مهدوا اليوم ﴿فليذوقوه﴾ يوم القيامة ، يعني قد حصلوا اليوم معنى صورته ﴿حميم وغساق﴾ يوم القيامة ولكن مذاقهم بحيث لا يجدون ألم عذاب ما حصلوه بسوء أعمالهم فليذوقوه يوم القيامة :

هركه أونيك ميكند يابد

نيك وبدهر كه ميكند يابد

فإذا تنعم المؤمنون بالفاكهة والشراب تعذب الكافرون بالحميم والغساق.

﴿وءاخر﴾ ومذوق آخر أو عذاب آخر ﴿من شكله﴾ ؛ أي : من مثل هذا المذوق أو العذاب في الشدة والفظاعة.

﴿أزواج﴾ قوله : آخر مبتدأ وأزواج : مبتدأ ثان.

ومن شكله : خبر لأزواج.

والجملة خبر المبتدأ الأول وأزواج ؛ أي : أجناس ؛ لأنه يجوز أن يكون ضروبا : يعني (اين عذاب كونا كونست أما همه متشابه يكديكرند در تعذيب وإيلام).

وفي "التأويلات النجمية" : أي فنون أخر مثل ذلك العذاب يشير به إلى أن لكل نوع من المعاصي نوعا آخر من العذاب كما أن كل بذر يزرعونه يكون له ثمرة تناسب البذر :

همينت بسندست اكر بشنوى

كه كرخار كارى سمن ندروى

﴿وءاخر من شكله أزواج * هاذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار * قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار * قالوا ربنا من قدم﴾ .

﴿هاذا فوج مقتحم معكم﴾ : الفوج : الجماعة والقطيع من الناس.

وأفاج : أسرع وعدا وند.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

قال الراغب : الفوج الجماعة المارة المسرعة ، وهو مفرد اللفظ ، ولذا قيل : مقتحم لا مقتحمون.

والاقتحام : الدخول في الشيء بشدة والقحمة : الشدة.

قال في "القاموس" : قحم في الأمر كنصر قحوما رمى

51

بنفسه فيه فجأة بلا رؤية.

والمعنى : يقول الخزنة لرؤوساء الطاغين إذا دخلوا النار مشيرين إلى الأتباع الذين أضلوهم هذا ؛ أي : الأتباع فوج تبعكم في دخول النار بالاضطرار كما كانوا قد تبعوكم في الكفر والضلالة بالاختيار ، فانظروا إلى أتباعكم لم يحصل بينكم وبينهم تناصر ، وانقطعت مودتكم وصارت عداوة.

قيل : يضرب الزبانية المتبوعين والأتباع معا بالمقامع ، فيسقطون في النار خوفا من تلك المقامع ، فذلك هو الاقتحام : وبالفارسية : (اين كردهست كه در آمد كانند در دوزخ برنج وسختى باشما هركه أز روى حرص وشهوت جايى نشيندكه خواهد بجاى كشندش كه نخواهد).

﴿لا مرحبا بهم﴾ مصدر بمعنى الرحب ، وهو السعة ، وبهم بيان للمدعو وانتصابه على أنه مفعول به لفعل مقدر ؛ أي : لا يصادفون رحبا وسعة أو لا يأتون رحب عيش ولا وسعة مسكن ، ولا غيره.

وحاصله : لا كرامة لهم ، أو على المصدر ؛ أي : لا رحبهم عيشهم ومنزلهم رحبا ، بل ضاق عليهم : وبالفارسية : (هيج مرحبا مباد ايشانرا).

يقول الرجل لمن يدعوه مرحبا ؛ أي : أتيت رحبا من البلاء ، وأتيت واسعا وخيرا كثيرا.

قال الكاشفي : (مرحبا كلمه ايست براى اكرام مهمان ميكويند).

وقال غيره : يقصد به إكرام الداخل وإظهار المسرة بدخوله ، ثم يدخل عليه كلمة لا في دعاء السوء.

وفي بعض شروح الحديث التكلم بكلمة مرحبا سنة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : "مرحبا يا أم هانىء" حين ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ، وهي بنت أبي طالب أسلمت يوم الفتح ، ومن أبواب الكعبة باب أم هانىء لكون بيتها في جانب ذلك الباب ، وقد صح أنه عليه السلام عرج به من بيتها كما قال المولى الجامي :

جو دولت شد زبد خواهان نهانى

سوى دولت سراى أم هاني

﴿إنهم صالوا النار﴾ تعليل من جهة الخزنة لاستحقاقهم الدعاء عليهم ؛ أي : داخلون النار بأعمالهم السيئة وباستحقاقهم.

﴿قالوا﴾ ؛ أي : الأتباع عند سماع ما قيل في حقهم.

﴿بل أنتم لا مرحبا بكم﴾ (بلكه شما مرحبا مباد شمارا بدين نفرين سزاوار تريد).

خاطبوا الرؤساء مع أن الظاهر أن يقولوا بطريق الاعتذار إلى الخزنة طمعا ، بل هم لا مرحبا بهم قصدا منهم إلى إظهار صدقهم بالمخاصمة مع الرؤساء والتحاكم إلى الخزنة في قضائهم بتخفيف عذابهم ، أو تضعيف عذاب خصمائهم ؛ أي : بل أنتم أيها الرؤوساء أحق بما قيل لنا من جهة الخزنة لإغوائكم إيانا مع ضلالكم في أنفسكم.

﴿أنتم قدمتموه لنا﴾ تعليل لأحقيتهم بذلك ؛ أي : أنتم قدمتم العذاب أو الصلي لنا واوقعتمونا فيه بتقديم ما يؤدي إليه من العقائد الزائغة ، والأعمال السيئة وتزيينها في أعيننا وإغرائنا عليها لا أنا باشرنا من تلقاء أنفسنا.

وذلك أن سبب عذاب الأتباع هو تلك العقائد والأعمال والرؤساء لم يقدموها ، بل الذين قدموها هم الأتباع باختيارهم إياها واتصافهم بها ، والذي قدمه الرؤساء لهم ما يحملهم عليها من الإغواء والإغراء عليها ، وهذا القدر من السببية كاف في إسناد تقديم العذاب أو الصلي إلى الرؤساء.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ٣٨