﴿جنات عدن﴾ عطف بيان لحسن مآب.
وأصل العدن في اللغة : الإقامة ثم صار علما بالغلبة.
روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : "إن الله تعالى بنى جنة عدن بيده وبناها بلبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل ملاطها المسك وترابها الزعفران وحصباءها الياقوت ، ثم قال لها : تكلمي فقالت : قد أفلح المؤمنون.
قالت الملائكة طوبى لك منزل الملوك".
يقول الفقير : دل الحديث على أن جنة عدن مقر الخواص والمقربين الذين هم بمنزلة الملوك من الرعايا ودل عليه إطلاق في قوله أيضا : قد أفلح المؤمنون ؛ لأن الله تعالى عقب في القرآن
48
قوله : ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ (المؤمنون : 1)بصفات لا تتيسر إلا للخواص ، فأين السياس من منازل السلاطين.
﴿مفتحة﴾ ؛ أي : حال كون تلك الجنات مفتحة.
﴿لهم الابواب﴾ منها ، والأبواب : مفعول مفتحة ؛ أي : إذا وصلوا إليها وجدوها مفتوحة الأبواب لا يحتاجون إلى فتح بمعاناة ولا يلحقهم ذل الحجاب ولا كلفة الاستئذان تستقبلهم الملائكة بالتبجيل والترحيب والإكرام يقولون : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
وقيل : هذا مثل كما تقول : متى جئتني وجدت بابي مفتوحا لا تمنع من الدخول.
فإن قيل : ما فائدة العدول عن الفتح إلى التفتيح.
قلنا : المبالغة وليست لكثرة الأبواب بل لعظمها كما ورد من المبالغة في وسعها وكثرة الداخلين ، ويحتمل أن يكون للإشارة إلى أن أسباب فتحها عظيمة شديدة ؛ لأن الجنة قد حفت بالمكاره على وجه ما رآها جبرائيل عليه السلام مع عظمة نعيمها ، قال : يا رب أنى هذه لا يدخلها أحد.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
﴿جنات عدن مفتحة لهم الابواب * متكاين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب * وعندهم قاصرات الطرف أتراب * هاذا ما توعدون ليوم الحساب * إن هاذا لرزقنا ما له﴾ .
﴿متكاين فيها﴾ ، حال من لهم ؛ أي : حال كونهم جالسين فيها جلسة المتنعمين للراحة ولا شك أن الاتكاء على الأرائك دليل التنعم ثم استأنف لبيان حالهم في الجنات ، فقال : ﴿يدعون فيها﴾ .
(مى خوانند دران بهشتها).
﴿بفاكهة كثيرة﴾ ؛ أي : بألوان الفاكهة ، وهي ما يؤكل للذة لا للغذاء والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ دون التغذي ، فإنه لتحصيل بدل المتحلل ولا تحلل فيها.
﴿وشراب﴾ ؛ أي : ويدعون فيها أيضا بشراب.
وقيل : تقديره : وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول ؛ أي : يدعون بشراب كثير بمعنى ألوانه.
يقال : نطق القرآن بشعرة أشربة في الجنة منها : الخمر الجارية من العيون في والأنهار.
ومنها : العسل واللبن وغيرهما.
ولا شك أن الأذواق المعنوية في الدنيا متنوعة ومقتضاه تنوع التجليات الواقعة في الجنة سواء كانت تجليات شرابية أو غيرها.
﴿وعندهم﴾ ؛ أي : عند المتقين ﴿قاصرات الطرف﴾ ؛ أي : زوجات قصرن طرفهن ؛ أي : نظرهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم : يعني (زنانى كه از غير شوهر جشم باز كيرند).
قال في "كشف الأسرار" : هذا كقولهم فلانة عند فلان ؛ أي : زوجته ﴿أتراب﴾ جمع : ترب بالكسرة ، وهي اللدة ؛ أي : من ولد معك والهاء في اللدة عوض عن الواو الذاهبة من أوله ؛ لأنه من الولادة.
والمعنى : لدات أقران ينشأن معا تشبيها في التساوي والتماثل بالترائب التي هي ضلوع الصدر ولوقوعهن على الأرض معا ؛ أي : يمسهن التراب في وقت واحد.
قال في "كشف الأسرار" : لدات مستويات في السن لا عجوز فيهن ولا صبية.
وقال بعضهم : لدات لأزواجهن ؛ أي : هن في سن أزواجهن : يعني : (تمام زنان بهشت درسن متساوى ازواج باشند مجموع سى وسه سال) لا أصغر ولا أكبر.
وفيه : أن رغبة الرجل فيمن هي دونه في السن وأنه كان التحاب بين الأقران أرسخ ، فلا يكون كونهن لدات لأزواجهن صفة مدح في حقهن.
(وبعضى برانندكه مراد از أتراب آنست همه زنان متساوى باشند در حسن يعنى هيج يك را رديكرى فضلى نبود دران تاطبع بفاضله كشد واز مفضوله منصرف كردد).
وفي الخبر الصحيح : "يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين سنة" ، "لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من ورائها".
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
﴿هاذآ﴾ ؛ أي : تقول لهم الملائكة : هذا المعد من الثواب والنعيم.
﴿ما توعدون﴾
49
أيها المتقون على لسان النبي عليه السلام ﴿ليوم الحساب﴾ ؛ أي : لأجله فإن الحساب علة للوصول إلى الجزاء.
يقول الفقير : ويحتمل أن يكون التقدير : ما توعدون بوقوعه في يوم الحساب والجزاء.
﴿إن هاذآ﴾ ؛ أي : ما ذكر من ألوان النعم والكرامات.
﴿لرزقنا﴾ عطاؤنا أعطيناكموه.
﴿ما له من نفاد﴾ ؛ أي : ليس له انقطاع أبدا وفناء وزوال.
قال في "المفردات" : النفاد : الفناء.