قال ابن عطاء : ليخفف ألم البلاء عنك علمك بأن الله هو المبلي.
واعلم أن لكل بلاء خلفا إما في الدنيا ، وإما في الآخرة وإما في كليهما.
قال الصائب :
45
هر محنتى مقدمه راحتي بود
شد همز بان حق جو زبان كليم سوخت
يروى : أن الله تعالى لما أذهب عن أيوب ما كان به من الأذى أنزل عليه ثوبين أبيضين من السماء ، فاتزر بأحدهما ، وارتدى بالآخر.
ثم مشى إلى منزله ، فأقبلت سحابة فسحت في أندر قمحه ذهبا حتى امتلأ ، وأقبلت سحابة أخرى إلى أندر شعيره ، فسحت فيه ورقا حتى امتلأ وشكر الله خدمة زوجته فردها إلى شبابها وجمالها.
﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنثا إنا وجدناه صابرا نعم العبدا إنه أواب * واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الايدى والابصار * إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار﴾ .
﴿واذكر عبادنآ﴾ المخصوصين من أهل العناية ﴿إبراهيم وإسحاق﴾ ابن إبراهيم ﴿ويعقوب﴾ ابن إسحاق.
ثم أومأ إلى وجه اختصاصهم بجنابه تعالى.
فقال : ﴿أولى الايدى﴾ ذوي الأيدي ، وهي جمع يد ، بمعنى الجارحة في الأصل أريد بها القوة مجازا بمعونة المقام ، وذلك لكونها سبب التقوى على أكثر الأعمال.
وبها يحصل البطش والقهر ، ولم تجمع القوة لكونها مصدرا يتناول الكثير.
﴿والابصار﴾ جمع بصر.
حمل على بصر القلب ويسمى البصيرة ، وهي القوة التي يتمكن بها الإنسان من إدراك المعقولات.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
قال في "المفردات" : البصر يقال للجارحة الناظرة ، وللقوة التي فيها يقال لقوة القلب المدركة : بصيرة وبصر ، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة.
وجمع البصر : أبصار.
وجمع البصيرة : بصائر.
والمعنى : ذوي القوة في الطاعة والبصيرة في أمور الدين.
ويجوز أن يراد بالأيدي الأعمال الجليلة لأن أكثر الأعمال تباشر بها ، فغلب الأعمال بالأيدي على سائر الأعمال التي تباشر بغيرها ، وأن يراد بالأبصار المعارف والعلوم الشريفة ؛ لأن البصر والنظر أقوى مباديها ، وهم أرباب الكمالات العملية والنظرية ، والذين لا يفكرون فكر ذوي الديانات في حكم من لا استبصار لهم.
وفيه تعريض بالجهلة البطالين ، وأنهم كالزمنى والعميان حيث لا يعملون عمل الآخرة ولا يستبصرون في دين الله وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع تمكينهم منهما.
وفي المثنوي :
أندرين ره مى تراش ومى خراش
تا دم آخر دمى فارغ مباش
﴿إنآ أخلصناهم بخالصة﴾ تعليل لما وصفوا به من شرف العبودية وعلو الرتبة.
والتنكير للتفخيم ؛ أي : إنا جعلناهم لنا بخصلة خالصة عظيمة الشأن لا شوب فيها.
﴿ذكرى الدار﴾ مصدر بمعنى التذكر مضاف إلى مفعوله ، وهو خبر مبتدأ محذوف.
والجملة صفة خالصة.
والتقدير : هي تذكرهم للدار الآخرة دائما ولا هم لهم غيرها وإطلاق الدار يعني مرادا بها الآخرة للإشعار بأنها الدار في الحقيقة وإنما الدنيا معبر.
فإن قيل : كيف يكونون خالصينتعالى وهم مستغرقون في الطاعة ، وفيما هو سبب لها ، وهو تذكر الآخرة.
قلت : إن استغراقهم في الطاعة إنما هو لاستغراقهم في الشوق إلى لقاء الله ، ولما لم يكن ذلك إلا في الآخرة ، استغرقوا في تذكرها وفي الآخرة : (آن ياد كردن سراى آخر تست جه مطمح نظر أنبيا جزفوز بلقاى حضرت كبريا نيست وآن در آخرت ميسر شود).
وفي "التأويلات النجمية" : إنا صفيناهم عن شوب صفات النفوس وكدورة الأنانية وجعلناهم لنا خالصين بالمحبة الحقيقية ليس لغيرنا فيهم نصيب لا يميلون إلى الغير بالمحبة العارضة لا إلى أنفسهم ولا إلى غيرهم بسبب خصلة خالصة غير مشوبة بهم آخر هي ذكرى الدار الباقية ، والمقر الأصلي ؛ أي : استخلصناهم لوجهنا بسبب تذكرهم لعالم القدس وإعراضهم عن معدن الرجس مستشرقين لأنواره لا التفات لهم في الدنيا وظلماتها أصلا.
46
انتهى.
يقول الفقير : أراد أن الدنيا ظلمة ؛ لأنها مظهر جلاله تعالى والآخرة نور ؛ لأنها مجلى جماله تعالى.
والتاء : للتخصيص.
والأصل : الآخر الذي هو الله تعالى ، ولذا يرجع العباد إليه بالآخرة.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين﴾ .
قوله : عند ظرف لمحذوف دل عليه المصطفين ، ولا يجوز أن يكون معمولا لقوله : من المصطفين ؛ لأن الألف واللام فيه بمعنى الذي.
وما في حيز الصلة لا يتقدم على الموصول.
والمصطفين : بفتح التاء والنون جمع مصطفى.
أصله : مصطفيين بالياءين وبكسر الأولى.
والمعنى لمن المختارين من أمثالهم ﴿الاخيار﴾ المصطفين عليهم في الخير.
وفي "التأويلات النجمية" : وأنهم في الحضرة الواحدية لمن الذين اصطفيناهم لقربنا من بني نوعهم الأخيار المنزهين عن شوائب الشر والإمكان والعدم والحدثان.
انتهى.