تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال في "فتح الرحمن" : مذهب الشافعي إذا وجب الحد على مريض وكان جلدا أخر للمرض ، فإن لم يرج برؤه جلد بعثكال عليه مائة غصن ، فإن كان خمسين ضرب به مرتين وتمسه الأغصان ، أو ينكبس بعضها على بعض ليناله بعض الألم ، فإن برىء أجرأه.

ومذهب أبي حنيفة رحمه الله يؤخر فلا يجلد حتى يبرأ كمذهب الشافعي ، فإن كان ضعيف الخلقة يخاف عليه الهلاك لو ضرب شديدا ، يضرب مقدار ما يتحمله من الضرب.

ومذهب مالك : لا يضرب إلا بالسوط ويفرق الضرب وعدد الضربات مستحق لا يجوز تركه ، فإن كان مريضا آخر إلى أن يبرأ كمذهب الشافعي وأبي حنيفة ومذهب أحمد : يقام الحد في الحال ولا يؤخر للمرض ، ولو رجى زواله ويضرب بسوط يؤمن معه التلف كالقضيب الصغير ، فإن خشي عليه من السوط أقيم بأطراف الثياب وعثكول النخل ، فإن خيف عليه من ذلك جمع ضغث فيه مائة شمراخ ، فضرب به ضربة واحدة كقول الشافعي.

وأما إذا كان الحد رجما ، فلا يؤخر بالاتفاق ولا يقام الحد على حامل حتى تضع بغير خلاف ، فأبو حنيفة : إن كان حدها الجلد ، فحتى تتعال ؛ أي : تخرج من نفاسها ، وإن كان الرجم فعقيب الولادة ، وإن لم يكن للصغير من يربيه ، فحتى يستغني عنها.

والشافعي حتى ترضعه اللبان ويستغني بغيرها ، أو فطام لحولين.

ومالك وأحمد بمجرد الوضع.

﴿إنا وجدناه﴾ علمناه ﴿صابرا﴾ فيما أصابه في النفس والأهل لولا أنا وجدناه صابرا ؛ أي : جعلناه يدل على هذا المعنى قوله تعالى لنبيه عليه السلام : ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ (النحل : 127) ؛ أي : هو الذي صبرك وإن لم تكن تصبر.

انتهى.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

روي : أنه بلغ أمر أيوب عليه السلام إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان ، فجاءت دودة إلى القلب فعضته ، وأخرى إلى اللسان

44

فعضته ، فعند ذلك دعا أيوب فوقعت دودة في الماء فصار علقا وأخرى في البر فصار نحلا يخرج منه العسل.

وفي "زهرة الرياض" : أنه بقي على بدنه أربعة من الديدان.

واحد طار ووقع على شجرة الفرصاد ، فصار دود القز وواحد وقع في الماء فصار علقا وواحد وقع في الحبوب فصار سوسا ، والرابع طار ووقع في الجبال والأشجار فصار نحلا ، وهذا بعدما كشف الله عنه.

واعلم أن العلماء قالوا : إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الأمراض المنفرة ويناقش فيه بحديث أيوب عليه السلام إذ روي أنه تفرق عنه الناس حتى ارتد بعض من آمن به إلا أن يستثنى أيوب عليه السلام ، فإن ابتلاءه كان خارقا للعادة وابتلاء الناس به أي ابتلاء.

ثم اعلم أنه ليس في شكواه إلى الله تعالى إخلال بصبره فإن الصبر حبس النفس عن الشكوى لغير الله لا إلى الله تعالى ، وفي حبس النفس عن الشكوى إلى الله في رفع الضر مقاومة القهر الإلهي ، وهو ليس من آداب العبودية ، فلا بد من الشكاية ليصح الافتقار الذي هو حقيقتك المميزة نسبة العبودية من الربوبية.

ولذا قال أبو زيد البسطامي قدس سره :

جارجيز آورده ام شاها كه دركنج تونيست

نيستى وحاجت وعجز ونياز آورده ام

وجاع بعض العارفين فبكى فعاتبه في ذلك بعض من لا ذوق له ، فقال : إنما جوعني لأبكي ، وأسأل ﴿نعم العبد﴾ ؛ أي : أيوب ﴿إنه أواب﴾ تعليل لمدحه ؛ أي : إنما كان نعم العبد ؛ لأنه رجاع إلى الله تعالى لا إلى الأسباب مقبل بجملة وجوده إلى طاعته أو رجاع إلى الحضرة في طلب الصبر على البلاء ، والرضى بالقضاء.

ولقد سوى الله تعالى بين عبديه اللذين أحدهما أنعم عليه فشكر ، والآخر ابتلي فصبر حيث أثنى عليهما ثناء واحدا فقال في وصف سليمان : ﴿نعم العبدا إنه أواب﴾ (ص : 30).

وفي وصف أيوب كذلك ، ولم يلزم من الأوابية الذنب ؛ لأن بلاء أيوب كان من قبيل الامتحان على ما سبق.

واعلم أن العيش في البلاء مع الله عيش الخواص ، وعيش العافية مع الله عيش العوام.

وذلك لأن الخواص يشاهدون المبلى ، وفي البلاء وتطيب عيشتهم بخلاف العوام ؛ فإنهم بمعزل من الشهود ، فيكون البلاء لهم عين المحنة ، ولذا صبر لهم.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

قال ابن مسعود رضي الله عنه : أيوب عليه السلام رأس الصابرين إلى يوم القيامة.

قال بعضهم : (بلا ذخيرة أوليا واختيار اصفيا است هر يكنى بنوعى ممتحن بودند.

نوح بدست قوم خويش كرفتار.

إبراهيم بآتش نمرود.

إسماعيل بفتنه ذبح.

يعقوب بفراق فرزند.

زكريا ويحيى بمحنت قتل.

موسى بدست فرعون وقبطيان وعلى هذا أوليا وأصفيا.

يكى را محنت غربت بود ومذلت.

يكى راكر سنكى وفاقت.

يكى بيماري وعلت.

يكى را قتل وشهادت.

مصطفى عليه السلام كفت (إن الله ادخر البلاء لأوليائه كما ادخر الشهادة لأحبابه) جون رب عزت آن بلاها از أيوب كشفت كرد روزى بخاطروى بكذشت كه نيك صبر كردم دران بلا ندا آمدكه "أنت صبرت أم نحن صبرناك يا أيوب لولا أنا وضعنا تحت كل شعرة من البلاء جبلا من الصبر لم تصبر" جنيد قدس سره كفت).

من شهد البلاء بالبلاء ضج من البلاء ، ومن شهد البلاء من المبلى حن إلى البلاء.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ٣٣