تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال حضرة الشيخ بالى الصوفي في "شرح الفصوص" : الإشارة فيه أن الله تعالى أمر نبيه بضرب الرجل على الأرض ، ليخرج منها الماء لإزالة ألم البدن ، فهو أمر لنا بالسلوك والمجاهدة ، ليخرج ماء الحياة ، وهو العلم بالله من أرض وجودنا لإزالة أمراض أرواحنا ، وهي الحجب المبعدة عن الحق.

ثم قال : وفي هذه الآية سر لطيف ، وهو أن السالكين مسلك التقوى بالمجاهدة والرياضات إذا اجتمعوا في منزل وذكروا الله كثيرا بأعلى صوت وضربوا أرجلهم على الأرض مع الحركة ، أية حركة كانت ، وكانت نيتهم بذلك إزالة الألم الروحاني.

جاز منهم ذلك إذا ضرب الرجل الصورية على الأرض الصورية مع الذكر الصوري بنية خالصة يوصل إلى الحقيقة إذ ما من حكم شرعي إلا وله حقيقة توصل عامله إلى حقيقته.

انتهى كلامه.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

قال بعض العلماء : بالله ارتفاع الأصوات في بيوت العبادات بحسن النيات وصفاء الطويات يحل ما عقدته الأفلاك الدائرات حتى قال

41

أهل البصائر : إن الأنفاس البشرية هي التي تدير الأفلاك العلوية.

انتهى.

فقد شرطوا في ضرب الرجل وكذا في رفع الصوت حسن النية وصفوة الباطن من كل غرض ومرض ، فإذا كان المرء حسن النية يراعي الأدب الظاهري والباطني من كل الوجوه ، فيعرج بمعراج الخلوص على ذروة مراتب أهل الخصوص ، ويسلم من الجرح والقدح لكون حركته على ما أشار إليه النصوص.

قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر في "الفتوحات المكية" : لا يجوز لأحد التواجد إلا بإشارة شيخ عارف بأمراض الباطن.

وفي محل آخر من شرط أهل الله في السماع أن يكونوا على قلب رجل واحد وأن لا يكون فيهم من ليس من جنسهم ، أو غير مؤمن بطريقهم ، فإن حضور مثل هؤلاء يشوش.

وفي آخر لا ينبغي للأشياخ أن يسلموا للمريد حركة الوجد الذي تبقي معه الإحساس بمن في المجلس ولا يسلم له حركته إلا إن غاب.

ومهما أحس بمن كان في المجلس تعين عليه أن يجلس إلا أن يعرف الحاضرون أنه متواجد لا صاحب وجد ، فيسلم له ذلك ؛ لأن هذه الحالة غير محمودة بالنظر إلى ما فوقها.

وفي آخر إذا كانت حركة المتواجد نفسية فليست بقدسية وعلامتها الإشارة بالأكمام والمشي إلى خلف وإلى قادم والتمايل من جانب إلى جنب ، والتفريق بين راجع وذاهب فقد أجمع الشيوخ على أن مثل هذا محروم مطرود.

انتهى.

فقد شرط الشيخ رضي الله عنه في هذا الكلمات لمن أراد الوجد والسماع ، حضور القلب والعشق والمحبة والصدق وغلبة الحال.

فقول القرطبي استدل بعض الجهال المتزهدة وطغاة المتوصفة ، بقوله تعالى لأيوب عليه السلام : ﴿اركض برجلك﴾ على جواز الرقص.

وهذا احتجاج بارد ؛ لأنه تعالى إنما أمر بضرب الرجل لنبع الماء لا لغيره ؛ وإنما هو لأهل التكلف كما دل عليع صيغة التزهد والتصوف ؛ فإن أتقياء الأمة برآء من التكلف ، فهو زجر لفسقة الزمان عما هم عليه من الاجتماع المنافي لنص القرآن ؛ فإنهم لو كانوا صلحاء مستأهلين لأباحت لهم إشارة القرآن ذلك ، لكنهم بمعزل عن الركض بشرائط فهم ممنوعون جدا.

قال الشيخ الشهير بافتاده قدس سره : ليس في طريق الشيخ الحاجي بيرام قدس سره : الرقص حال التوحيد وليس في طريقنا أيضا ، بل نذكر الله قياما وقعودا ولا نرقص على وفق قوله تعالى : ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ (آل عمران : 191).

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

وقال أيضا : ليس في طريقنا رقص ، فإن الرقص والأصوات كلها إنما وضع لدفع الخواطر ، ولا شيء في دفعها أشد تأثيرا من التوحيد فطريقنا طريق الأنبياء عليهم السلام ، فنبينا عليه السلام لم يلقن إلا التوحيد.

﴿اركض برجلكا هاذا مغتسلا بارد وشراب * ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولى الالباب * وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا﴾ .

﴿ووهبنا له أهله﴾ معطوف على مقدار ؛ أي : فاغتسل وشرب ، فكشفنا بذلك ما به من ضر كما في سورة الأنبياء ووهبنا له أهله : يعني (فرزندان ويرا زنده كرديم).

وكانوا ثلاثة عشر.

روى الحسن : أن الله تعالى أحياهم بعد هلاكهم ؛ أي : بما ذكر من أن إبليس هدم عليهم البناء فماتوا تحته.

﴿ومثلهم معهم﴾ عطف على أهله ، فكان له من الأولاد ضعف ما كان له قبل ؛ أي : زاده على ما كان له قبل البلاء ، قال الصائب :

زفوت مطلب جزؤى مشوغمين كه فلك

ستاره ميبرد وآفتاب مى آرد

﴿رحمة منا﴾ ؛ أي : لرحمة عظيمة عليه من عندنا ﴿وذكرى لاولى الالباب﴾ ، ولتذكيرهم

42

بذلك ليصبروا على الشدائد كما صبر ، ويلجؤوا إلى الله فيما ينزل بهم كما لجأ ليفعل بهم ما فعل به من حسن العاقبة : قال الكاشفي : (رحمت إلهي فرج را بصير ناريست).

اصبر فإن الصبر مفتاح الفرج

كليد صبر كسى راكه باشد اندردست

هرآينه در كنج مراد بكشايد

بشام تيره مخت بساز وصبر نماى

كه دمبدم سحر از برده روى بنمايد

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ٣١