قلت : إن الذي أصابه لم يصبه إلا من الله تعالى إلا أنه أسنده إلى الشيطان لسؤال الشيطان منه تعالى أن يمسه الله تعالى بذلك الضر امتحانا لصبره ، ففي إسناده إليه دون الله تعالى مراعاة للأدب.
روي : أن أيوب عليه السلام كان له أموال كثيرة من صنوف مختلفة.
وهو مع ذلك كان مواظبا على طاعة الله محسنا للفقراء واليتامى وأرباب الحاجات ، فحسده إبليس لذلك.
وقال : إنه يذهب بالدنيا والآخرة ، فقال : إلهي عبدك أيوب قد أنعمت عليه ، فشكرك وعافيته ، فحمدك ولو ابتليته بنزع النعمة والعافية لتغير عن حاله ، فقال تعالى : إني أعلم منه أن يعبدني ويحمدني على كل حال ، فقال إبليس : يا رب سلطني عليه وعلى أولاده وأمواله ، فسلطه على ذلك ، فأحرق زرعه وأسقط الأبنية على أولاده ، فلم يزدد أيوب إلا حمدا لربه ، ثم نفخ في جسده نفخة خرجت بها فيه النفاخات ، ثن تقطرت بالدم الأسود وأكله الدود سبع سنين ، وهو على حاله في مقام الصبر والرضى والتسليم ، فكان بلاؤه امتحانا من غير أن يكون منه ذنب يعاقب عليه ليبرز الله ما في ضميرة ، فيظهر لخلقه درجته ، أين هو من ربه كما ذكره الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول".
وعلى هذا القول اعتماد الفحول ، فدع ما عداه فإنه غير مقبول.
وفي "التأويلات النجمية" يشير بقوله : ﴿واذكر﴾ إلخ إلى معاني مختلفة.
﴿منها﴾ : إن من شرط عبودية خواص عباده من الأنبياء والأولياء الصبر عند نزول البلاء والرضى بجريان أحكام القضاء.
ومنها : ليعلم أن الله تعالى لو سلط الشيطان على بعض من أوليائه وأنبيائه لا يكون لإهانتهم بل يكون لعزتهم وإعانتهم على البلوغ إلى رتبة نعم العبدية ودرجة الصابرين المحبوبين.
ومنها : أن العباد من الأنبياء لو لم يكونوا في كنف عصمة الله وحفظه لمستهم الشياطين ينصب وعذاب.
ومنها : أن من آداب العبودية إجلال الربوبية وإعظامها عن إحالة الضر والبلاء والمحن عليها لا على الشيطان ، كما قال يوسف عليه السلام :
40
﴿وجآء بكم من البدو منا بعد أن نزغ الشيطان بينى وبين إخوتى﴾ (يوسف : 100).
وقال يوشع عليه السلام : ﴿ومآ أنساانيه إلا الشيطان﴾ (الكهف : 63).
وقال موسى عليه السلام : ﴿هاذا من عمل الشيطان﴾ (القصص : 15).
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
ومنها : ليعلم أنه ما بلغ مقام الرجال البالغين ؛ إلا بالصبر على البلوى وتفويض الأمور إلى المولى والرضى بما يجري عليه من القضاء.
انتهى.
﴿اركض برجلك﴾ الركض الضرب والدفع القوي بالرجل ، فمتى نسب إلى الراكب ، فهو إغراء مركوبه وحثه للعدو نحو ركضت الفرس ، ومتى نسب إلى الماشي ، فوطىء الأرض كما في الآية كذا قاله الراغب.
والرجل : القدم أو من أصل الفخذ إلى رؤوس الأصابع.
والمعنى : إذ نادى فقلنا له على لسان جبريل عليه السلام حين انقضاء مدة بلائه اركض برجلك ؛ أي : من اضرب بها الأرض : وبالفارسية (بزن باي خودرا بزمين) ، وهي أرض الجابية بلد في الشام من إقطاع أبي تمام ، فضربها فنبعت عين.
فقلنا له : ﴿هاذآ﴾ (اين جمشه).
﴿مغتسلا بارد﴾ تغتسل به.
وقال الكاشفي : (جاي غسل كردنست يا آبيست كه بدان غسل كنند).
أشار إلى أن المغتسل هو الموضع الذي يغتسل فيه ، والماء الذي يغتسل به.
والاغتسال : غسل البدن وغسلت الشيء غسلا أسلت عليه الماء ، فأزلت درنه.
﴿وشراب﴾ تشرب منه فيبرأ باطنك.
والشراب : هو ما يشرب ويتناول من كل مائع ماء كان أو غيره.
والواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف.
وقال بعض الكبار : هذا مغتسل به ؛ أي : ماء يغتسل به وموضعه وزمانه بارد يبرد حرارة الظاهر وشراب يبرد حرارة الباطن ، يعني : إنما كان الماء باردا لما كان عليه من إفراط حرارة الألم ، فسكن الله إفراطها الزائد المهلك ببرد الماء وأبقى الحرارة النافعة للإنسان.
وفي كلام الشيخ الشهير بافتاده البرسوي قدس سره أن المراد بالماء في هذه الآية صورة إحياء الله تعالى.
وهو المراد بماء المطر أيضا فيما روي أنه إذا كان يوم القيامة ينزل المطر على الأموات أربعين سنة ، فيظهرون من الأرض كالنبات.
انتهى.
فاغتسل أيوب عليه السلام من ذلك الماء وشرب فذهب ما به من الداء من ظاهره وباطنه ، فإن الله تعالى إذا نظر إلى العبد بنظر الرضى يبدل مرضه بالشفاء وشدته بالرخاء وجفاءه بالوفاء ، فقام صحيحا وكسي حلة ، وعاد إليه جماله وشبابه أحسن ما كان.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : مكث في البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ساعات لم يغمض فيهن ولم ينقلب من جنب إلى جنب كما في "زهرة الرياض".