﴿أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات﴾ : أم منقطعة بمعنى بل.
و(الهمزة) الإنكارية ؛ أي : بل أنجعل المؤمنين المصلحين في الأرض ﴿كالمفسدين فى الأرض﴾ بالكفر والمعاصي ؛ أي : لا نجعلهم سواء ، فلو بطل البعث والجزاء كما يظن الكفار لاستوت عند الله حال من أصلح ومن أفسد ومن سوى بينهما ، كان سفيها والله تعالى منزه عن السفه ، فإنما بالإيمان والعمل الصالح يرفع المؤمنين إلى أعلى عليين ويرد الكافرين إلى أسفل سافلين.
﴿أم نجعل المتقين كالفجار﴾ ؛ أي : كما لا نجعل أهل الإيمان والعمل الصالح الذين هم مظاهر صفات لطفنا وجمالنا كالمفسدين الذين هم مظاهر صفات قهرنا وجلالنا كذلك لا نجعل أهل التقوى ، كالفجار.
والفجر : شق الشيء شقا واسعا.
والفجور : شق سر الديانة.
أنكر التسوية أولا بين أهل الإيمان والشرك ، ثم بين أهل التقوى والهوى يعني من المؤمنين ، وهو المناسب لمقام التهديد والوعيد كي يخاف من الله تعالى كل صنف بحسب مرتبته.
ويجوز أن يكون تكرير الإنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم.
وروي : أن كفار قريش قالوا للمؤمنين : إنا نعطى في الآخرة من الخير ما تعطون بل أكثر فقال تعالى : ﴿أم نجعل﴾ إلخ.
وإنما قالوا ذلك على تقدير وقوع الآخرة كما سبق من قوله تعالى : ﴿وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين﴾ (سبأ : 35).
وسيجيء في قوله تعالى : ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾ (القلم : 35) ؛ أي : في ثواب الآخرة.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
واعلم أن الله تعالى سوى بين الفريقين في التمتع بالحياة الدنيا بل الكفار أوفر حظا من المؤمنين ؛ لأن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، لكن الله جعل الدار الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ، وهم المؤمنون المخلصون المنقادونولأمره ، وإنما لم يجازهم في هذه الدار لسعة رحمته وضيق هذه الدار ، فلذا أخر الجزاء إلى الدار الآخرة ، فإذا ترقى الإنسان من الهوى إلى الهدى ومن الفجور إلى التقوى أخذ الأجر بالكيل الأوفى.
ثم لما كان القرآن منبع جميع السعادات والخيرات وصفه
24
أولا ثم بين المصلحة فيه فقال : ﴿كتاب﴾ : خبر مبتدأ محذوف وهو عبارة عن القرآن ؛ أي : هذا كتاب ﴿أنزلناه إليك﴾ : صفته ﴿مبارك﴾ : خبر ثان للمبتدأ ؛ أي : كثير المنفعة دنيا ودينا لمن آمن به وعمل بأحكامه وحقائقه وإشاراته ، فإن البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء والمبارك ما فيه ذلك الخير ﴿ليدبروا ءاياته﴾ : متعلق بأنزلنا وأصله : يتدبروا فأدغمت التاء في الدال ؛ أي : أنزلناه ليتفكروا في آياته بالفكر السليم فيعرفوا ما يتبع ظاهرها من المعاني الفائقة والتأويلات اللائقة ؛ أي : ليتفكروا في معانيها فإن التدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور والتفكر : تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب.
﴿وليتذكر أولوا الالباب﴾ ؛ أي : وليتعظ به أصحاب العقول الخالصة عن شوب الوهم ، عمم التدبر لعموم العلماء وخص التذكر بخصوص العقلاء ؛ لأن التدبر للفهم والتذكر لوقوع الإجلال والخشية الخاص بأكابر أهل العلم.
قال بعضهم : التفكر عند فقدان المطلوب لاحتجاب القلب بالصفات النفسانية.
وأما التذكر فهو عند رفع الحجاب والرجوع إلى الفطرة الأولى ، فيتذكر ما انطبع في النفس في الأزل من التوحيد والمعارف انتهى.
فعلم أن المقصود من كلام الحق التفكر والتذكر والاتعاظ به لا حفظ الألفاظ فقط.
قال الشبلي قدس سره : قرأت أربعة آلاف حديث ثم اخترت منها حديثا واحدا ، وكان علم الأولين والآخرين مندرجا فيه وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبعض أصحابه : "اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها واعملبقدر حاجتك إليه واعمل للنار بقدر صبرك عليها".
وكان الصحابة يكتفون ببعض السور القرآنية ويشتغلون بالعمل بها ؛ فإن المقصود من القرآن العمل به.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
روي أن رجلا جاء إلى النبي عليه السلام وقال : علمني مما علمك الله ، فدفعه إلى رجل يعلمه القرآن ، فعلمه : ﴿إذا زلزلت الارض﴾ (الزلزلة : 1)حتى بلغ ﴿فمن يعمل﴾ (الزلزلة : 7) إلخ.
قال : حسبي ، فأخبر النبي عليه السلام بذلك فقال : "دعوه فقد فقه الرجل".
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : مررت بحجر مكتوب عليه : قلبني ينفعك ، فقلبته ، فإذا مكتوب عليه : أنت بما تعلم لا تعمل فكيف تطلب ما لم تعلم.