تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها : أن الروح الإنساني خليفة الله بذاته وصفاته إما بذاته ، فلأنه كان له وجود من وجود وجوده بلا واسطة ، فوجوده كان خليفة وجود الله.

وإما بصفاته ، فلأنه كان له صفات من صفات الله بلا واسطة ، فكل وجود وصفات تكون بعد وجود الخليفة يكون خليفة ، خليفة الله بالذات والصفات وهلم جرا إلى أن يكون القالب الإنساني هو أسفل سافلين الموجودات وآخر شيء لقبول الفيض الإلهي ، وأقل حظ من الخلافة ، فلما أراد الله أن يجعل الإنسان خليفة خليفته في الأرض خلق لخليفة روحه منزلا صالحا لنزول الخليفة فيه ، وهو قالبه وأعد له عرشا فيه ليكون محل استوائه عليه ، وهو القلب ونصب له خادما وهو النفس ، فلو بقي الإنسان على

21

فطرة الله التي فطر الناس عليها يكون روحه مستفيضا من الحق تعالى فائضا بخلافة الحق تعالى على عرش القلب والقلب فائض بخلافة الروح على خادم النفس والنفس فائضة بخلافة القلب على القالب والقالب فائض بخلافة النفس على الدنيا ، وهي أرض الله فيكون الروح بهذه الأسباب والآلات خليفة الله في أرضه بحكمه وأمره بتواقيع الشرائع.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

ومنها : أن من خصوصية الخلافة الحكم بين الناس بالحق والإعراض عن الهوى بترك متابعته كما أن من خصوصية أكل الحلال العمل الصالح قال تعالى : ﴿كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾ (المؤمنون : 51).

ومنها : أن الله تعالى جعل داود الروح خليفة في أرض الإنسانية وجعل القلب والسر والنفس والقالب والحواس والقوى والأخلاق والجوارح والأعضاء كلها رعية له ثم على قضية كلكم راعع وكلكم مسؤول عن رعيته أمر بأن يحكم بين رعيته بالحق ؛ أي : بأمر الحق لا بأمر الهوى ، كما قال تعالى : ﴿فاحكم بين الناس بالحق﴾ ؛ أي : بحكم الله تعالى ، فإن الخلافة مقتضية له حتما وحكم الله بين خلقه هو العدل المحض وبه يكون الحاكم عادلا لا جائرا.

والحكم لغة : الفصل وشرعا : أمر ونهي يتضمنه إلزاما.

﴿ولا تتبع الهوى﴾ ؛ أي : ما تهواه النفس وتشتهيه في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا : وبالفارسية : (وبيروى مكن هواى نفس را وآرزوهاي أورا).

قال بعضهم : وهو يؤيد ما قيل أن ذنب داود الهم الذي هم به حين نظر إلى امرأة أوريا ، وهو أن يجعلها تحت نكاحه أو ما قيل : أن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مسألته : ﴿فيضلك عن سبيل الله﴾ بالنصب على أنه جواب النهي ؛ أي : فيكون الهوى أو اتباعه سببا لضلالك عن دلائله التي نصبها على الحق تكوينا وتشريعا.

قال بعض الكبار : ﴿ولا تتبع الهوى﴾ ؛ أي : ما يخطر لك في حكمك من غير وحي مني ، ﴿فيضلك عن سبيل الله﴾ ؛ أي : عن الطريق الذي أوحى بها إلى رسلي.

انتهى.

فإن قلت : كيف يكون متابعة الهوى سببا للضلال.

قلت : لأن الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية فيشغل عن طلب السعادات الروحانية التي هي الباقيات الصالحات فمن ضل عن سبيل الله الذي هو اتباع الدلائل المنصوبة على الحق أو اتباع الحق في الأمور وقع في سبيل الشيطان ، بل في حفرة النيران والحرمات.

﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله﴾ : تعليل لما قبله ببيان غائلته وإظهار في سبيل الله في موضع الإضمار للإيذان بكمال شناعة الضلال عنه.

﴿لهم عذاب شديدا بما نسوا﴾ ؛ أي : بسبب نسيانهم.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

﴿يوم الحساب﴾ : مفعول لنسوا.

ولما كان الضلال عن سبيل الله مستلزما لنسيان يوم الحساب كان كل منهما سببا وعلة لثبوت العذاب الشديد تأدب سبحانه وتعالى مع داود ، حيث لم يسند الضلال إليه ؛ بأن يقول : فلئن ضللت عن سبيلي فلك عذاب شديد لما هو مقتضى الظاهر بل أسنده إلى الجماعة الغائبين الذين داود عليه السلام واحد منهم.

واعلم أن الله تعالى خلق الهوى الباطل على صفة الضلالة مخالفا للحق تعالى ؛ فإن من صفته الهداية والحكمة في خليفته يكون هاديا إلى الحضرة بضدية طبعه ومخالفة أمره كما أن الحق تعالى كان هاديا إلى حضرته بنور ذاته وموافقة أمره ليسير السائر إلى الله على قدمي موافقته أمر الله ومخالفته هواه.

ولهذا قال المشائخ : لولا الهوى ما سلك أحد طريقا إلى الله تعالى ، وأعظم جنايات العبد وأقبح

22

خطاياه متابعة الهوى كما قال عليه السلام : "ما عبد إله في الأرض أبغض على الله من الهوى".

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ١٦