تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الشيخ الشعراني قدس سره في "الكبريت الأحمر" : وكذلك لا ينبغي له أن يحقق المناط في نحو قوله تعالى : ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب انفضوا من حولك﴾ (آل عمران : 159).

ولا نحو قوله : ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الاخرة﴾ (آل عمران : 152).

وقوله : ﴿ولا تزال تطلع على خآاانة منهم إلا قليلا منهم﴾ (المائدة : 13).

فإن العامة إذا سمعوا مثل ذلك استهانوا بالصحابة ثم احتجوا بأفعالهم.

انتهى كلامه.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله : يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين رضي الله عنه وحكاية ما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم ، فإنه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين ، وما وقع بينهم من المنازعات ، فيحمل على محامل صحيحة ، فلعل ذلك الخطأ في الاجتهاد لا لطلب الرياسة أو الدنيا ، كما لا يخفى.

انتهى.

والحاصل : أن معاصي الخواص ليست كمعاصي غيرهم بأن يقعوا فيها بحكم الشهوة الطبيعية ، وإنما تكون معاصيهم بالخطأ في التأويل ، فإذا أظهر الله لهم فساد ذلك التأويل الذي أداهم إلى ذلك الفعل حكموا على أنفسهم بالعصيان ، وتابوا ورجعوا إلى حكم العزيز المنان.

﴿ياداواد﴾ ؛ أي : فغفرنا له ذلك وقلنا له : يا داود ﴿إنا جعلناك خليفة فى الأرض﴾ .

الخلافة : النيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه وإما لموته ، وإما لعجزه ، وإما لتشريف المستخلف وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض إذ الوجوه الأول محال في حق

20

الله تعالى فالخليفة عبارة عن الملك النافذ الحكم ، وهو من كان طريقته وحكومته على طريقة النبي وحكومته والسلطان أعم ، والخلافة في خصوص مرتبة الإمامة أيضا أعم.

والمعنى : استخلفناك على الملك في الأرض والحكم فيما بين أهلها ؛ أي : جعلناك أهل تصرف نافذ الحكم في الأرض كمن يستخلفه بعض السلاطين على بعض البلاد ويملكه عليها.

وكان النبوة قبل داود في سبطه والملك في سبط آخر فأعطاهما تعالى داود عليه السلام ، فكان يدبر أمر العباد بأمره تعالى.

وفي دليل بين على أن حاله عليه السلام بعد التوبة كما كان قبلها لم يتغير قط ، بل زادت اصطفائيته كما قال في حق آدم عليه السلام : ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ (طه : 122).

قال بعض كبراء المكاشفين : ثم المكانة الكبرى والمكانة الزلفى التي خصه الله بها التنصيص على خلافته ، ولم يفعل ذلك مع أحد من أبناء جنسه وهم الأنبياء وإن كان فيهم خلفاء.

فإن قلت : آدم عليه السلام قد نص الله على خلافته ، فليس داود مخصوصا بالتنصيص على خلافته.

قلنا : ما نص على خلافة آدم مثل التنصيص على خلافة داود وإنما قال للملائكة : إني جاعل في الأرض خليفة فيحتمل أن يكون الخليفة الذي أراده الله غير آدم بأن يكون بعض أولاده ، ولو قال أيضا : إني جاعل آدم لم يكن مثل قوله : إنا جعلناك خليفة بضمير الخطاب في حق داود ، فإن هذا محقق ليس فيه احتمال غير المقصود.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

قال بعضهم : تجبرت الملائكة على آدم ، فجعله الله خليفة وتجبر طالوت على داود فجعله خليفة وتجبرت الأنصار على أبي بكر رضي الله عنه ، فجعله خليفة ، فلذا جعل الله الخلفاء ثلاثة : آدم وداود وأبا بكر.

وكان مدة ملك داود أربعين سنة مما وهبه الخليفة الأول من عمره ، فإن آدم وهب لداود من عمره ستين سنة ، فلذا كان خليفة في الأرض كما كان آدم خليفة فيها.

وفي الآية إشارة إلى معان مختلفة :

منها : أن الخلافة الحقيقية ليست بمكتسبة للإنسان وإنما هي عطاء وفضل من الله يؤتيه من يشاء كما قال تعالى : ﴿إنا جعلناك خليفة﴾ ؛ أي : أعطيناك الخلافة.

ومنها : أن استعداد الخلافة مخصوص بالإنسان كما قال تعالى : ﴿وهو الذى جعلكم خلائف الأرض﴾ (الأنعام : 165).

ومنها : أن الإنسان وإن خلق مستعدا للخلافة ، ولكن بالقوة فلا يبلغ درجاتها بالفعل إلا الشواذ منهم.

ومنها : أن الجعلية تتعلق بعالم المعنى ، كما أن الخلقية تتعلق بعالم الصورة ولهذا لما أخبر الله تعالى عن صورة آدم عليه السلام قال : ﴿إنى خالقا بشرا من طين﴾ (ص : 71).

ولما أخبر عن معناه قال : ﴿إني جاعل فى الارض خليفة﴾ (البقرة : 30).

ومنها : أن الروح الإنساني هو الفيض الأول ، وهو أول شيء تعلق به أمركن ولهذا نسبه إلى أمره ، فقال تعالى : ﴿قل الروح من أمر ربى﴾ (الإسراء : 85) ، فلما كان الروح هو الفيض الأول كان خليفة الله.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ١٥