قال بعض كبار المكاشفين : سبحت الجبال وكذا الطير لتسبيح داود ليكون له عملها ، لأن تسبيحها لما كان لتسبيحه منتشأ منه لا جرم يكون ثوابه عائدا إليه لا إليها لعدم استحقاقها لذلك بخلاف الإنسان فإنه إذا وافقه إنسان آخر في ذكره وتسبيحه ، أو عمل بقوله يكون له مثل ثواب ذكره وتسبيحه لإحيائه وإيقاظه فهو صيده ، وأحق به ، وإنما كان يسبح الجبال والطير لتسبيحه ، لأنه لما قوي توجهه عليه السلام بروحه إلى معنى التسبيح والتحميد سرى ذلك إلى أعضائه وقواه ؛ فإنها مظاهر روحه ومنها إلى الجبال والطير فإنها صور أعضائه وقواه في الخارج ، فلا جرم يسبحن لتسبيحه وتعود فائدة تسبيحها إليه وخاصية العشي والإشراق أن فيهما زيادة ظهور أنوار قدرته وآثار بركة عظمته ، وأن وقت الضحى وقت صحو أهل السكر من خمار شهود المقامات المحمودة ، وأن العشي وقت إقبال المصلين إلى المناجاة وعرض الحاجات.
﴿وشددنا ملكه﴾ : قوينا ملكه بالهيبة والنصرة ونحوهما.
قال الكاشفي : (ومحكم كرديم بادشاهى ويرا بدعاى مظلومان.
يابو زراى نصيحت كنندكان.
يابكوتاه كردن ظلم ازرعيت.
يابا لقاى رعب وى دردل اعادى.
يابيافتن زره وساختن آلات حرب ، يابه بسيارى لشكر.
يابكثرت باسبانان جه هرشب سى وششن هزار مردباس خانه وى ميداشتند).
وقيل : كان أربعون ألف لابسي درع يحرسونه ، فإذا أصبح قيل : ارجعوا فقد رضي عنكم نبي الله وكان نبينا عليه السلام يحرس أيضا إلى نزول قوله تعالى : ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة : 67).
ومن ذلك أخذ السلاطين الحرس في السفر والحضر فلا يزالون يحرسونهم في الليالي ولهم أجر في ذلك.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ادعى رجل على رخر بقرة وعجز عن إقامة البينة فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : أن اقتل المدعى عليه فأعلم الرجل فقال : صدقت يا نبي الله ، إن الله لم يأخذني بهذا
14
الذنب.
ولكن بأني قتلت أبا هذا غيلة ، فقتله فقال الناس : إن أذنب أحد ذنبا أظهره الله عليه فقتله فهابوه ، وعظمت هيبته في القلوب.
والغيلة : بالكسر هو أن يخدع شخصا فيذهب به إلى موضع فإذا صار إليه قتله.
﴿وشددنا ملكه﴾ ؛ أي : العلم بالأشياء على ما هي عليه والعمل بمقتضاه إن كان متعلقا بكيفية العمل.
جزء : 8 رقم الصفحة : 2
واعلم أن الحكمة نوعان :
أحدهما : الحكمة المنطوق بها وهي علم الشريعة والطريقة.
والثاني : الحكمة المسكوت عنها وهي أسرار الحقيقة التي لا يطلع عليها عوام العلماء على ما ينبغي فيضرهم أو يهلكهم.
كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجتاز في بعض سكك المدينة مع أصحابه فأقسمت عليه امرأة أن يدخلوا منزلها ، فدخلوا فرأوا نارا موقدة وأولاد المرأة يلعبون حولها ، فقالت : يا نبي الله أرحم بعباده أم أنا بأولادي ، فقال عليه السلام : "بل الله أرحم فإنه أرحم الراحمين".
فقالت : يا رسول الله أتراني أحب أن ألقي ولدي في النار فقال : "لا".
فقالت : فكيف يلقي الله عبيده فيها ، وهو أرحم بهم.
قال الراوي : فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "هكذا أوحي إلي".
﴿وفصل الخطاب﴾ : لبيان تلك الحكمة على الوجه المفهم كما في "شرح الفصوص" للمولى الجامي رحمه الله ، فيكون بمعنى الخطاب الفاصل ؛ أي : المميز والمبين ، أو الخطاب المفصول ؛ أي : الكلام الملخص الذي ينبه المخاطب على المرام من غير التباس.
وفي "شرح الجندي" : يعني الإفصاح بحقيقة الأمر وقطع القضايا والأحكام باليقين من غير ارتياب ، ولا شك ولا توقف ، فيكون بمعنى فصل الخصام بتمييز الحق من الباطل ، فالفصل على حقيقته ، وأريد بالخطاب المخاصمة لاشتمالها عليه.
وفي "التأويلات النجمية" : ﴿وشددنا ملكه﴾ : في الظاهر بأن جعلناه أشد ملوك الأرض في الباطن بأن ﴿وءاتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ .
والحكمة : هي أنواع المعارف من المواهب وفصل الخطاب بيان تلك المعارف بأدل دليل وأقل قليل.
انتهى.
وإنما سمي به.
أما بعد ، لأنه يفصل المقصود عما سبق تمهيدا له من الحمد والصلاة.
وقال زياد : أول من قال في كلامه أما بعد داود عليه السلام ، فهو فصل الخطاب ورد بأنه لم يثبت عنه أنه تكلم بغير لغته.
وأما بعد لفظة عربية وفصل الخطاب الذي أوتيه داود هو فصل الخصومة كما في "إنسان العيون".
اللهم إلا أن يقال إن صح هذا القول لم يكن ذلك بالعربية على هذا النظم وإنما كان بلسانه عليه السلام.
وقال علي رضي الله عنه : فصل الخطاب أن يطلب البينة من المدعي ويكلف اليمين من أنكر ، لأن كلام الخصوم لا ينقطع ولا ينفصل إلا بهذا الحكم.