تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالوا : كان قبل ذلك قد علق الله سلسلة من السماء وأمره بأن يقضي بها بين الناس ، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة وتصل يده إليها.

ومن كان ظالما لا يقدر على أخذ السلسلة ثم قال المدعى عليه : خذ مني العصا ، فأخذ عصاه فقال : إني دفعت اللؤلؤ إليه وإني صادق في مقالتي فجاء وأخذ السلسلة ، فاتفق أن رجلا غصب من رجل آخر لؤلؤا فجعل اللؤلؤ في جوف عصاه ، ثم خاصم المدعي إلى داودعليه السلام ، فقال : إن هذا قد أخذ لؤلؤا وإني صادق في مقالتي فجاء وأخذ السلسلة فتحير داود في ذلك ورفعت السلسلة وأمر عليه السلام بأن يقضي بالبينات والإيمان فذلك قوله : ﴿وشددنا ملكه﴾ ، يعني : العلم والفهم وفصل الخطاب يعني القضاء بالبينات والإيمان على الطالبين والمدعى عليهم كذا في "تفسير الإمام أبي الليث" رحمه الله.

وكان

15

الحكم في شرعنا أيضا بذلك ؛ لأنه أسد الطرق وأحسن الوسائل في كل مسألة من المسائل لكل سائل.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

﴿وشددنا ملكه وءاتيناه الحكمة وفصل الخطاب * وهل أتااك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داواد ففزع منهم قالوا لا تخفا خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط * إن هاذآ أخى له تسع وتسعون﴾ .

﴿وهل أتااك نبؤا الخصم﴾ : استفهام معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما في حيزه للإيذان بأنه من الأخبار البديعة التي حقها أن لا تخفى على أحد.

والنبأ : الخبر العظيم والخصم بمعنى المخاصم وأصل المخاصمة أن يتعلق كل واحد بخصم الآخر بالضم ؛ أي : جانبه ولما كان الخصم في الأصل مصدرا متساويا أفراده وجمعه ، أطلق على الجمع في قوله تعالى : ﴿إذ تسوروا المحراب﴾ .

يقال : تسور المكان إذا علا سوره وسور المدينة حائطها المشتمل عليها.

وقد يطلق على حائط مرتفع وهو المراد هنا.

والمراد من المحراب البيت الذي كان داود عليه السلام يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه.

قيل : كان ذلك البيت غرفة وسمي ذلك البيت محرابا لاشتماله على المحراب على طريقة تسمية الشيء بأشرف أجزائه وإذ متعلقة بمحذوف ، وهو التحاكم ؛ أي : نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا المحراب ؛ أي : تصعدوا سور الغرفة ونزلوا إليه.

والمراد بالخصم المتسورين : جبرائيل وميكائيل بمن معهما من الملائكة على صورة المدعي والمدعى عليه ، والشهود والمزكين من بني آدم.

﴿إذ دخلوا على داواد﴾ : بدل مما قبله.

﴿ففزع منهم﴾ : الفزع انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ، ولا يقال : فزعت من الله كما يقال خفت منه وإنما فزع منهم ، لأنه كان الباب مغلقا وهو يتعبد في البيت فنزلوا عليه بغتة من فوق ؛ أي : من غير الباب على خلاف العادة.

وفيه إشارة إلى كمال ضعف البشرية مع أنه كان أقوى إذ فزع منهم ، ولعل فزع داود كان لاطلاع روحه على أنه تنبيه له وعتاب فيما سلف منه كما سيأتي فلما رأوه فزعا ﴿قالوا﴾ : إزالة لفزعه ﴿لا تخف﴾ منا.

قال في "التأويلات النجمية" : يشير إلى أنه لا تخف من صورة أحوالنا ، فإنا جئنا لتحكم بيننا بالحق ولكن خف من حقيقة أحوالنا ، فإنها كشف أحوالك التي جرت بينك وبين خصمك أوريا ﴿خصمان﴾ ؛ أي : نحن فريقان متخاصمان على تسمية مصاحب الخصم خصما تجوزا.

جزء : 8 رقم الصفحة : 2

والحاصل أنه أطلق لفظ الخصم فيما سبق على الجمع بدليل تسوروا ثم ثنى بتأويل الفريق ، وهم وإن لم يكونوا فريقين بل شخصين اثنين بدليل ﴿إن هاذآ أخى﴾ الآية لكن جعل مصاحب الخصم خصما فكانا بمن معهما فريقين من الخصوم ، فحصل الانطباق بين صيغة التثنية في قوله خصمان وبين ما مر من إرادة الجمع.

﴿بغى﴾ : (ستم وجور كرد).

﴿بعضنا على بعض﴾ : هو على الفرض وقصد التعريض بداود لا على تحقيق البغي من أحدهما ، فلا يلزم الكذب إذ الملائكة منزهون عنه ، فلا يحتاج إلى ما قيل أن المتخاصمين كانا لصين دخلا عليه للسرقة ، فلما رآهما اخترعا الدعوى كما في "شرح المقاصد".

﴿فاحكم بيننا بالحق﴾ : بالعدل : وبالفارسية : (بس حكم كن درميان ما براستى).

﴿ولا تشطط﴾ : (الإشطاط : بيدا كردن واز حد در كذشتن) من الشطط وهو مجاوزة الحد وتخطي الحق.

والمعنى : لا تجر في الحكومة وهو تأكيد للأمر بالحكم بالحق والمقصود من الأمر والنهي والاستعطاف.

﴿واهدنآ إلى سوآء الصراط﴾ إلى وسط طريق الحق بزجر الباغي عما سلكه من طريق الجور وإرشاده إلى منهاج العدل.

﴿إن هاذآ﴾ : استئناف لبيان ما فيه الخصومة ﴿أخى﴾ في الدين أو في الصحبة

16

والتعرض لذلك تمهيد لبيان كمال قبح ما فعل به صاحبه.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٨ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٨ · ص ١١