والعذر تحري الإنسان ما يمحو به ذنوبه بأن يقول لم أفعل أو فعلت لأجل كذا فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنبا أو فعلت ولا أعود ونحو ذلك وهذا الثالث هو التوبة فكل توبة عذر وليس كل عذر توبة وأصل الكلمة من العذرة وهي الشيء النجس تقول عذرت الصبي إذا طهرته وأزلت عذرته وكذا عذرت فلانا إذا أزلت نجاسة ذنبه بالعفو عنه كذا في "المفردات".
وقال في "كشف الأسرار" أخذ من العذار وهو الستر ﴿ولا هم يستعتبون﴾ الاعتاب إزالة العتب أي : الغضب والغلظة ، وبالفارسية : (خوشنود كردن) والاستعتاب طلب ذلك ، يعني : (ازكسى خواستن كه ترا خوشنود كند) من قولهم استعتبني فلان فأعتبته أي : استرضاني فأرضيته.
والمعنى لا يدعون إلى ما يقتضي أعتابهم أي : إزالة عتبهم وغضبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إليه في الدنيا إذ لا يقبل حينئذ توبة ولا طاعة وكذا لا يصح رجوع إلى الدنيا لإدراك فائت من الإيمان والعمل ، قال الشيخ سعدي قدس سره :
جزء : 7 رقم الصفحة : 3
كنونت كه شم است اشكى ببار
زبان دردهانست عذري بيار
كنون بايدت عذر تقصير كفت
نه ون نفس ناطق ز كفتن بخفت
بشهر قيامت مرو تنكدست
كه وجهى ندارد بحسرت نشست
وفي الآية : إشارة إلى أن القالب للإنسان كالقبر للميت فهم يستقصرون يوم البعث أيامهم الدنيوية الفانية المتناهية وإن طالت مدتهم بالنسبة إلى صباح الحشر فإنه يوم طويل.
قال عليه السلام : "الدنيا ساعة فاجعلها طاعة".
واحتضر عابد فقال : ما تأسفي على دار الأحزان والغموم والخطايا والذنوب وإنما تأسفي على ليلة نمتها ويوم أفطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر الله.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة وقد مضى ستة آلاف وليأتين عليها مئون من سنين ليس عليها موحد يعني قرب القيامة فإنه حينئذ ينقرض أهل الإيمان لما أراد الله من فناء الدنيا ثم ينتهي دور السنبلة وينتقل الظهور إلى
59
البطون ثم بعد تمام مدة البرزخ وينفخ في الصور فيبعث أهل الإيمان على ما ماتوا عليه من التوحيد ويبعث أهل الكفر على ما هلكوا عليه من الإشراك وتكون الدنيا ومدتها وما تحويه من الأمور والأحوال نسيا منسيا فيا طوبى لمن صام طول نهاره حتى يطعمه الله في ذلك اليوم الطويل من نعم جناته ولمن قام طول ليلته فيقيمه الله في ظل عرشه إراحة له من الكدر ولمن وقع في نار محبته فيخلصه من نار ذلك اليوم ويحيطه بالنور فإنه لا يجتمع شدة الدنيا وحدة الآخرة للمؤمن المتقي ، قال الشيخ العطار في الهي نامه :
مكر يكروز دربازار بغداد
بغايت آتشى سوزنده افتاد
فغان برخاست از مردم بيكبار
وزان آتش قيامت شد بديدار
بزه بريره زالى مبتلايى
عصا دردست مى آمد زجايى
يكى كفتا مكر ديوانه تو
كه افتاد آتش اندر خانه تو
زنش كفتا تويى ديوانه من
كه حق هركز نسوزدخانه من
بآخر ون بسوخت عالم جهانى
نبود آن زال را زآتش زيانى
بد وكفتندهان اى زال دمساز
بكو كزه بدانستى تواين راز
نين كفت آنكهى زال فروتن
كه ياخانه بسوزد يادل من
وسوخت ازغم دل ديوانه را
نخواهد سوخت آخر خانه را
فعلى العاقل أن يكون على مراد الله في أحكامه وأوامره حتى يكون الله تعالى على مراده في إنجائه من ناره والاسترضاء لا يكون إلا في الدنيا فإنها دار تكليف فإذا جاء الموت يختم الفم والأعضاء وتنسد الحواس والقوى وطرق التدارك بالكلية فيبقى كل امرىء مرهونا بعمله.
جزء : 7 رقم الصفحة : 3
﴿ولقد ضربنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثل﴾ أي : وبالله لقد بينا لهم كل حال ووصفنا لهم كل صفة كأنها في غرابتها كالأمثال وذلك كالتوحيد والحشر وصدق الرسل وسائر ما يحتاجون إليه من أمر الدين والدنيا مما يهتدي به المتفكر ويعتبر به الناظر المتدبر ﴿ولاان جئتهم﴾ (اكر بيارى تو اى محمد عليه السلام بديشان يعني بمنكران متعاندان) ﴿بااية﴾ من آيات القرآن الناطقة بأمثال ذلك ﴿ليقولن الذين كفروا﴾ من فرط عنادهم وقساوة قلوبهم مخاطبين للنهي عليه السلام والمؤمنين ﴿أن﴾ ما ﴿أنتم إلا مبطلون﴾ مزورون يقال أبطل الرجل إذا جاء بالباطل وأكذب إذا جاء بالكذب.
وفي "المفردات" الإبطال يقال في إفساد الشيء وإزالته حقا كان ذلك الشيء أو باطلا قال تعالى : ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل﴾ (الأنفال : 8) وقد يقال فيمن يقول شيئا لا حقيقة له قال تعالى : ﴿إن أنتم إلا مبطلون﴾ .
﴿ولقد ضربنا للناس فى هاذا القرءان من كل مثلا ولاان جئتهم بااية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون * كذالك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون * فاصبر إن وعد الله حقا ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾ .