تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روي أن الحسن البصري رحمه الله رأى بنتا على قبر تنوح وتقول : يا أبت كنت أفرش فراشك فمن فرشه الليلة يا أبت كنت أطعمك فمن أطعمك الليلة إلى غير ذلك فقال الحسن : لا تقولي كذلك بل قولي يا أبت وضعناك متوجها إلى القبلة فهل بقيت أو حولت عنها يا أبت هل كان القبر روضة لك من رياض الجنة أو حفرة من حفرة النيران يا أبت هل أجبت الملكين على الحق أو لا فقالت : ما أحسن قولك يا شيخ وقبلت نصيحته.

فعلى العاقل أن يتذكر الموت ويتفكر في بعد السفر ويتأهب بالإيمان والأعمال مثل الصلاة والصيام والقيام ونحوها وأفضلها إصلاح النفس وكف الأذى عن الناس بترك الغيبة والكذب وتخليص العملتعالى وذلك يحتاج إلى قوة التوحيد بتكريره وتكريره بصفاء القلب آناء الليل وأطراف النهار.

﴿الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل منا بعد ضعف قوة ثم جعل منا بعد قوة ضعفا وشيبةا يخلق ما يشآءا وهو العليم القدير * ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعةا كذالك كانوا يؤفكون * وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم فى كتاب الله إلى يوم البعثا فهاذا يوم البعث ولاكنكم كنتم لا تعلمون﴾ .

﴿ويوم تقوم الساعة﴾ أي : القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا أو لأنها تقع بغتة وبداهة وصارت علما لها بالغلبة كالنجم للثريا والكوكب للزهرة.

وفي "فتح الرحمن" : ويوم تقوم الساعة التي فيها القيامة ﴿يقسم المجرمون﴾ يحلف الكافرون يقال اقسم أي : حلف أصله من القسامة وهي إيمان تقسم على المتهمين في الدم ثم صار اسما لكل حلف ﴿ما لبثوا﴾ في القبور وما نافية ولبث بالمكان أقام به ملازما له ﴿غير ساعة﴾ أي : إلا ساعة واحدة هي جزؤ من أجزاء الزمان استقلوا مدة لبثهم نسيانا أو كذبا أو تخمينا ويقال ما لبثوا في الدنيا والأول هو الأظهر لأن لبثهم معني بيوم البعث كما سيأتي وليس لبثهم في الدنيا كذلك ﴿كذالك﴾ مثل ذلك الصرف ، وبالفارسية : (مثل اين بركشتن ازراستى در آخرت) ﴿كانوا﴾ في الدنيا بإنكار البعث والحلف على بطلانه كما أخبر سبحانه في قوله : ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله﴾ من يموت ﴿يؤفكون﴾ (النحل : 38) يقال افك فلان إذا صرف عن الصدق والخير أي : يصرفون عن الحق والصدق فيأخذون في الباطل والأفك والكذب يعني كذبوا في الآخرة كما كانوا يكذبون في الدنيا ، وبالفارسية : (كار ايشان دروغ كفتن است درين سرا ودران سرا).

جزء : 7 رقم الصفحة : 3

واعلم أن الله تعالى خلق الصدق فظهر من ظله الإيمان والإخلاص وخلق الكذب فظهر من ظله الكفر والنفاق فأنتج الإيمان المتولد من الصدق أن يقول المؤمنون يوم القيامة الحمدالذي صدقنا وعده وهذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ونحوه وأنتج الكفر المتولد من الكذب أن يقول الكافرون يومئذ والله ما كنا مشركين وما لبثوا غير ساعة ونحوه من الأكاذيب ، قال الحافظ :

58

بصدق كوش كه خوشيد زايد ازنفست

كه از دروغ سيه روى كشت صبح نخست

يعني : أن آخر الصدق النور كما أن آخر الصبح الصادق الشمس وآخر الكذب الظلمة كما أن آخر الصبح الكاذب كذلك.

﴿وقال الذين أوتوا العلم والايمان﴾ في الدنيا من الملائكة والأنس ردا لهم وإنكارا لكذبهم ﴿لقد﴾ والله قد ﴿لبثتم فى كتاب الله﴾ وهو التقدير الأزلي في أم الكتاب أي : علمه وقضائه ﴿إلى يوم البعث﴾ (تاروز انكيختن) وهو مدة مديدة وغاية بعيدة لا ساعة حقيقة.

وفي الحديث : "ما بين فناء الدنيا والبعث أربعون" وهو محتمل للساعات والأيام والأعوام والظاهر أربعون سنة أو أربعون ألف سنة ثم أخبروا بوقوع البعث تبكيتا لهم لأنهم كانوا ينكرونه فقالوا : ﴿فهاذا﴾ الفاء جواب شرط محذوف أي : إن كنتم منكرين البعث فهذا ﴿يوم البعث﴾ الذي أنكرتموه وكنتم توعدون في الدنيا أي : فقد تبين بطلان إنكاركم ﴿ولاكنكم﴾ من فرط الجهل وتفريط النظر ﴿كنتم﴾ في الدنيا ﴿لا تعلمون﴾ أنه حق سيكون فتستعجلون به استهزاء.

﴿فيومااذ﴾ أي : يوم القيامة ﴿لا ينفع الذين ظلموا﴾ أي : أشركوا ﴿معذرتهم﴾ أي : عذرهم وهو فاعل لا ينفع.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٧ · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٧ · ص ٤٣