وفي "التأويلات النجمية" ﴿خلقكم من ضعف﴾ في البداية وهو ضعف العقل ﴿ثم جعل منا بعد ضعف قوة﴾ في العقل بالبراهين والحجج ﴿ثم جعل منا بعد قوة ضعفا وشيبة﴾ في الإيمان لمن كان العقل عقيله فيعقله بعلاقة المعقولات فينظر فيها بداعية الهوى بنظر مشوب بآفة الوهم والخيال فيقع في ظلمات الشبهات فتزل قدمه عن الصراط والدين القويم فيهلك كما هلك كثير ممن شرع في تعلم المعقولات لإطفاء نور الشريعة وسعى في إبطال الشريعة بظلمة الطبيعة يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.
وأيضا ﴿خلقكم من ضعف﴾ التردد والتحير في الطلب
56
﴿ثم جعل منا بعد ضعف قوة﴾ في صدق الطلب ﴿ثم جعل منا بعد قوة﴾ في الطلب ﴿ضعفا﴾ في حمل القول الثقيل وهو حقيقة قول لا إله إلا الله فإنها توجب الفناء الحقيقي وتوجب الضعف الحقيقي في الصورة بحمل المعاتبات والمعاشقات التي تجرى بين المحبين فإنها تورث الضعف والشيبة كما قال صلى الله عليه وسلم "شيبتني سورة هود وأخواتها" فإن فيها إشارة من المعاشقات بقوله : ﴿فاستقم كمآ أمرت﴾ (هود : 112) ﴿يخلق﴾ الله تعالى ﴿ما يشآء﴾ من الأشياء التي من جملتها ما ركب من الضعف والقوة والشباب والشيبة.
يعني هذا ليس طبعا بل بمشيئة الله تعالى.
وفي "التأويلات النجمية" : ﴿يخلق ما يشآء﴾ من القوة والضعف في السعيد والشقي فيخلق في السعيد قوة الإيمان وضعف البشرية وفي الشقي قوة البشرية لقبول الكفر وضعف الروحانية لقبول الإيمان ﴿وهو العليم﴾ بخلقه ﴿القدير﴾ بتحويله من حال إلى حال.
وأيضا العليم بأهل السعادة والشقاوة والتقدير بخلق أسباب السعادة والشقاء فيهم.
جزء : 7 رقم الصفحة : 3
واعلم أن نفس الإنسان أقرب إلى الاعتبار من نفس غيرهم ولذا أخبر عن خلق أنفسهم في أطوار مختلفة ليتغيروا ويتقلبوا وينتقلوا من معرفة هذا التغير والتقلب إلى معرفة الصانع الكامل بالعلم والقدرة المنزه عن الحدوث والإمكان ويصرفوا القوى إلى طاعته.
قال بعضهم رحم الله امرأ كان قويا فأعمل قوته في طاعة الله أو كان ضعيفا فكف لضعفه عن معصية الله.
قيل إذا جاوز الرجل الستين وقع بين قوة العلل وعجز العمل وضعف الأمل ووثبة الأجل فلا بد للشبان من دفع الكسل وسد الخلل وقد أثنى عليهم رسول الله عليه السلام خيرا حيث قال : "أوصيكم بالشبان خيرا ثلاثا فإنهم أرق أفئدة ألا وإن الله أرسلني شاهدا ومبشرا ونذيرا فخالصني الشبان وخالفني الشيوخ" ، يعني : (وصيت ميكنم شمارا به جوانا نكه بهتراند سه بار زيرا كه ايشان رحيم دل ترند ركاه باشيد خداى تعالى مرا فرستاد شاهد ومبشر ونذير دوستى كردند بامن جوانان ومخالفت كردند يران) وأثنى على الشيوخ أيضا حيث قال : "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة ما لم يخضبها أو ينتفها" والمراد الخضاب بالسواد فإنه حرام لغير الغزاة وحلال لهم ليكونوا أهيب في عين العدو وأما الخضاب بالحمرة والصفرة فمستحب ودل قوله : ﴿يخلق ما يشآء﴾ على أن الله تعالى لو لم يخلق الشيب في الإنسان ما شاب وأما قول الشاعر :
أشاب الصغير وأفنى الكبي
ر كر الغداة ومر العشى
فمن قبيل الإسناد المجازي.
ونظر أبو يزيد قدس سره إلى المرآة فقال : ظهر الشيب ولم يذهب العيب ولا أدري ما في الغيب.
يا عامر الدنيا على شيبه
فيك أعاجيب لمن يعجب
ما عذر من يعمر بنيانه
وجسمه مستهدم يخرب
قال الشيخ سعدي قدس سره :
كنون بايد اى خفته بيدار بود
ومرك اندر آردز خوابت ه سود
وشيب اندر آمد بروى شباب
شبت روز شد ديده بركن زخواب
من آن روز بر كندم از عمر اميد
كه افتادم اندر سياهى سيد
57
دريغاكه بكذشت عمر عزيز
بخواهد كذشت اين دمى ند نيز
فرو رفت جم را يكى نازنين
كفن كرد ون كرمش ابريشمين
يدخمه در آمد س از ند روز
كه بروى بكريد بزارى وسوز
ووسيده ديدش حرير كفن
بفكرت نين كفت باخويشتن
من ازكرم بركنده بودم بزور
بكندند ازو باز كرمان كور
روي أن عثمان رضي الله عنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبل لحيته فقيل : تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن القبر أول منزل من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه".
جزء : 7 رقم الصفحة : 3