﴿فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين * ومآ أنت بهاد العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون * الله الذى خلقكم من ضعف ثم جعل منا بعد ضعف﴾ .
﴿ومآ أنت بهاد العمى﴾ جمع أعمى وهو فاقد البصر ﴿عن ضلالتهم﴾ متعلق بالهداية باعتبار تضمنها معنى الصرف سماهم عميا إما لفقدهم المقصود الحقيقي من الأبصار أو لعمي قلوبهم كما في "الإرشاد" ، وبالفارسية : (ونيستى توراه نماينده كوردلان ازكمراهى ايشان يعنى قادرنيستى بر آنكه توفيق ايمان دهى مشركانرا) فإنهم ميتون والميت لا يبصر شيئا كما لا يسمع شيئا فكيف يهتدي ﴿أن﴾ ما ﴿تسمع﴾ مواعظ القرآن ونصائحه ﴿ومآ أنت بهاد العمى﴾ فإن إيمانهم يدعوهم إلى التدبر فيها وتلقيها بالقبول.
يعني أن الإيمان حياة القلب فإذا كان القلب حيا يكون له السمع والبصر واللسان ويجوز أن يراد بالمؤمن المشارف للإيمان أي : إلا من يشارف الإيمان بها ويقبل عليها إقبالا حقيقيا ﴿فهم مسلمون﴾ تعليل لإيمانهم أي : منقادون لما تأمرهم به من الحق.
وفي "التأويلات النجمية" : مستسلمون لأحكام الشريعة وآداب الطريقة في التوجه إلى عالم الحقيقة انتهى فإن الأحكام والآداب كالجناحين للسالك الطائر إلى الله تعالى فالمؤمن مطلقا سواء كان سالكا إلى طريق الجنان أو إلى طريق قرب الرحمان يعرض عن النفس والشيطان ويقبل على داعي الحق بالوجه والجنان ، قال حضرة الشيخ العطار قدس سره في الهي نامه :
يكى مر غيست اندر كوه ايه
كه درسالى نهد ل روزخايه
بحد شام باشد جاى اورا
بسوى بيضه نبود راى اورا
وبنهد بيضه درل روزبسيار
شود از شم مردم نابديدار
55
يكى بيكانه مرغى آيد از راه
نشيند بر سرآن بيضه آنكاه
نان آن بيضه درزير ر آرد
كه تاروزى از وبه بر آرد
نانش برورد آن دايه يوست
كه ندهد هي كس را آننان دست
وجوقى به اور بر آرند
بيكده روى دريكديكر آرند
در آيد زود مادر شان بروان(ز
جزء : 7 رقم الصفحة : 3
نشيند بر سر كوهى سر افراز
كند بانكى عجب ازدور ناكاه
كه آن خيل به كردند آكاه
وبنيوشند بانك مادر خويش
شوند از مرغ بيكانه برخويش
بسوى مادر خود بازكردند
وزان مرغ دكر ممتاز كردند
اكر روزى دكر ابليس مغرور
كرفته زير رهستى تومعذور
كه ون كردد خطاب خودبديدار
بسوى حق شود زابليس بيزار
فعلى العاقل أن يرجع إلى أصله من صحبة الفروع ويجتهد في أن يحصل له سمع الروع قبل أن تنسد الحواس وينهدم الأساس.
﴿الله﴾ مبتدأ خبره قوله : ﴿الذى خلقكم﴾ أوجدكم أيها الإنسان ﴿من ضعف﴾ أي : من أصل ضعيف هو النطفة أو التراب على تأويل المصدر باسم الفاعل.
والضعف بالفتح والضم خلاف القوة وفرقوا بأن الفتح لغة تميم واختاره عاصم وحمزة في المواضع الثلاثة والضم لغة قريش واختاره الباقون ولذا لما قرأه ابن عمر رضي الله عنهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح اقرأه بالضم ﴿ثم﴾ للتراخي في الزمان ﴿جعل﴾ خلق لأنه عدى لمفعول واحد ﴿منا بعد ضعف﴾ آخر وهو الضعف الموجود في الجنين والطفل ﴿قوة﴾ هي القوة التي تجعل للطفل من التحرك واستدعائه اللبن ودفع الأذى عن نفسه بالبكاء.
قال بعض العلماء أول ما يوجد في الباطن حول ثم ما يجربه في الأعضاء قوة ثم ظهور العمل بصورة البطش والتناول قدرة ﴿ثم جعل منا بعد قوة﴾ أخرى هي التي بعد البلوغ وهي قوة الشباب ﴿ضعفا﴾ آخر هو ضعف الشيخوخة والكبر ﴿وشيبة﴾ شيبة الهرم والشيب والمشيب بياض الشعر ويدل على أن كل واحد من قوله ضعف وقوة إشارة إلى حالة غير الحالة الأولى ذكره منكرا والمنكر متى أعيد ذكره معرفا أريد به ما تقدم كقولك رأيت رجلا فقال لي الرجل كذا ومتى أعيد منكرا أريد به غير الأول ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : ﴿فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا﴾ (الانشراح : 5 6) لن يغلب عسر يسرين هكذا حققه الإمام الراغب وتبعه أجلاء المفسرين.
جزء : 7 رقم الصفحة : 3