تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿قل﴾ يا محمد ﴿سيروا﴾ أيها المشركون وسافروا ﴿فى الأرض﴾ في أرض الأمم المعذبة ﴿فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل﴾ أي : آخر أمر من كان قبلكم والنظر على وجهين يقال نظر إليه إذا نظر بعينه ونظر فيه إذا تفكر بقلبه وههنا قال : فانظروا ولم يقل إليه أو فيه ليدل على مشاهدة الآثار ومطالعة الأحوال ﴿كان أكثرهم مشركين﴾ أي : كان أكثر الذين من قبل مشركين فاهلكوا بشركهم وهو استئناف للدلالة على أن ما أصابهم لفشو الشرك فيما بينهم أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم فإذا أصابهم العذاب بسبب شركهم ومعاصيهم فيلحذر من كان على صفتهم من مشركي قريش وغيرهم إن أصروا على ذلك.

﴿فأقم﴾ عدل يا محمد ﴿وجهك للدين القيم﴾ البليغ الاستقامة الذي ليس فيه عوج أصلا وهو دين الإسلام وقد سبق معنى إقامة الوجه للدين في هذه السورة ﴿من قبل أن يأتى يوم﴾ يوم القيامة ﴿لا مرد له﴾ لا يقدر أحد على ردة ولا ينفع نفسا إيمانها حينئذ ﴿من الله﴾ متعلق بيأتي أو بمرد لأنه مصدر على معنى لا يرده الله تعالى لتعلق إرادته القديمة بمجيئه وقد وعد ولا خلف في وعده ﴿يومئذ﴾ أي : يوم القيامة بعد محاسبة الله أهل الموقف ﴿يصدعون﴾ أصله يتصدعون فادغمت التاء في الصاد وشددت.

والصدع الشق في الأجسام الصلبة كالزجاج والحديد ونحوهما ومنه استعير صدع الأمر أي : فصله والصداع وهو الانشقاق في الرأس من الوجع ومنه الصديع للفجر لأنه ينشق من الليل والمعنى يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير كما قال :

جزء : 7 رقم الصفحة : 3

﴿من﴾ (هركه) ﴿كفر﴾ بالله في الدنيا ﴿فعليه﴾ لا على غيره ﴿كفره﴾ وبال كفره وجزاؤه وهو النار المؤبدة ﴿ومن﴾ (وهركه) ﴿عمل صالحا﴾ وحده وعمل بالطاعة الخالصة بعد التوحيد ، وبالفارسية : (كارستوده كند) ﴿فلانفسهم﴾ وحدها ﴿يمهدون﴾ أصل المهد إصلاح المضجع للصبي ثم استعير لغيره كما في "كشف الأسرار" يسوون منزلا في الجنة ويفرشون ويهيئون ، وبالفارسية : (خويشتن را نشستكاه سازد در بهشت وبساط مى كستراند) ومن التمهيد تمهيد المضاجع في القبور فإن بالعمل الصالح يصلح منزل القبر ومأوى الجنة.

يروى أن بعض أهل القبور في برزخ محمود مفروش فيه الريحان وموسد فيه السندس والاستبرق إلى يوم القيامة وفي الحديث "إن عمل الإنسان يدفن

47

معه في قبره فإن كان العمل كريما أكرم صاحبه وإن كان لئيما أسلمه" أي : إن كان عملا صالحا آنس صاحبه وبشره ووسع عليه قبره ونوره وحماه من الشدائد والأهوال وإن كان عملا سيئا فزع صاحبه وروعه وأظلم عليه قبره وضيقه وعذبه وخلى بينه وبين الشدائد والأهوال والعذاب والوبال :

برك عيشى بكور خويش فرست

كس نيارد زس زيش فرست

﴿من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلانفسهم يمهدون * ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين * ومن ءاياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من﴾ .

﴿ليجزى الذين ءامنوا﴾ به في الدنيا ﴿وعملوا الصالحات﴾ وهي ما أريد به وجه الله تعالى ورضاه ﴿من فضله﴾ (ازبخشش خود) متعلق بيجزى وهو متعلق بيصدعون أي : يتفرقون بتفريق الله تعالى فريقين ليجزي كلا منهما بحسب أعمالهم وحيث كان جزاء المؤمنين هو المقصود بالذات أبرز ذلك في معرض الغاية وعبر عنه بالفضل لما أن الإثابة عند أهل السنة بطريق التفضل لا الوجوب كما عند المعتزلة وأشير إلى جزاء الفريق الآخر بقوله : ﴿إنه لا يحب الكافرين﴾ فإن عدم محبته تعالى كناية عن بغضه الموجب لغضبه المستتبع للعقوبة لا محالة.

قال بعضهم : (دوست نميدارد كافرانرا تابا مؤمنان جمع كند بلكه ايشانرا جدا ساخته بدوزخ فرستد).

جزء : 7 رقم الصفحة : 3

روي أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام : ما خلقت النار بخلا مني ولكن أكره أن أجمع أعدائي وأوليائي في دار واحدة نسأل الله تعالى دار أوليائه ونستعيذ به من دار أعدائه.

وفي الآيات إشارات :

منها : أن النظر بالعبرة من أسباب الترقي في طريق الحق وذلك أن بعض السلاك استحلوا بعض الأحوال فسكنوا إليها وبعضهم استحسنوا بعض المقامات فركنوا إليها فأشركوا بالالتفات إلى ما سوى الحق تعالى فمن نظر من أهل الاستعداد الكامل إلى هذه المساكنات والركون إلى الملائمات يسير على قدمي الشريعة والطريقة لكي يقطع المنازل والمقامات ويجتهد في أن لا يقع في ورطة الفترات والوقفات كما وقع بعض من كان قبله فحرم من الوصول إلى دائرة التوحيد الحقاني.

اى برادر بى نهايت در كهيست

هر كا كه ميرسى بالله مأيست

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٧ · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٧ · ص ٣٥