تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿بما كسبت أيدى الناس﴾ أي : بسبب شؤم المعاصي التي كسبها الناس في البر والبحر بمزاولة الأيدي غالبا.

ففيه إشارة إلى أن الكسب من العبد والتقدير والخلق من الله تعالى فالطاعة كالشمس المنيرة تنتشر أنوارها في الآفاق فكذا الطاعة تسري بركاتها إلى الأقطار فهي من تأثيرات لطفه تعالى والمعصية كالليلة المظلمة فكما أن الليلة تحيط ظلمتها بالجوانب فكذا المعصية تتفرق شآمتها إلى الأقارب والأجانب فهي من تأثيرات قهره تعالى.

وأول فساد ظهر في البر قتل قابيل أخاه هابيل.

وفي "البحر" أخذ الجلندي الملك كل سفينة غصبا وفي المثل أظلم من ابن الجلندي بزيادة ابن كما في "إنسان العيون" وكان من أجداد الحجاج بينه وبينه سبعون جدا وكانت الأرض خضرة معجبة بنضارتها لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها ثمرة وكان ماء البحر عذبا وكان لا تقصد الأسود البقر فلما وقع قتل المذكور تغير ما على الأرض

45

وشاكت الأشجار أي : صارت ذات شوك وصار ماء البحر ملحا مرا جدا وقصد بعض الحيوان بعضا.

وتعلقت شوكة بنبي فلعنها فقالت : لا تلعنني فإني ظهرت من شؤم ذنب الآدميين.

جزء : 7 رقم الصفحة : 3

يقول الفقير :

ون عمل نيكو بود كلها دمد

ونكه زشت آيد برويد خارزار

كر بد وكر نيك باشد كارتو

هره كارى بدر روى آنجام كار

﴿ليذيقهم بعض الذى عملوا﴾ اللام للعلة والذوق وجود الطعم بالفم وكثر استعماله في العذاب يعني أفسد الله أسباب دنياهم بسوء صنيعهم ليذيقهم بعض جزاء ما عملوا من الذنوب والإعراض عن الحق ويعذبهم بالبأساء والضراء والمصائب وإنما قال بعض لأن تمام الجزاء في الآخرة ويجوز أن يكون اللام للعاقبة أي : كان عاقبة ظهور الشرور منهم ذلك نعوذ بالله من سوء العاقبة ﴿لعلهم يرجعون﴾ عما كانوا عليه من الشرك والمعاصي والغفلات وتتبع الشهوات وتضييع الأوقات إلى التوحيد والطاعة وطلب الحق والجهد في عبوديته وتعظيم الشرع والتأسف على ما فات وهذا كقوله تعالى : ﴿ولقد أخذنآ ءال فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون﴾ (الأعراف : 130) أي : يتعظون فلم يتعظوا ففيه تنبيه على أن الله تعالى إنما يقضي بالجدوبة ونقص الثمرات والنبات لطفا من جنابه في رجوع الخلق عن المعصية.

بارها وشد ى اظهار فضل

باز كيرد ازى اظهار عدلتاشيمان ميشوى ازكار بد

تاحيا دارى زالله الصمد

اعلم أن الله تعالى غير بشؤم المعصية أشياء كثيرة.

غير صورة إبليس واسمه وكان اسمه الحارث وعزازيل فسماه ابليس.

وغير لون حام بن نوح بسبب أنه نظر إلى سوءة أبيه فضحك وكان أبوه نوح نائما فأخبر بذلك.

فدعا عليه فسوده الله تعالى فتولد منه الهند والحبشة.

وغير الصورة على قوم موسى فصيرهم قردة وعلى قوم عيسى فصيرهم خنازير.

وغير ماء القبط ومالهم فصيرهما دما وحجرا.

وغير العلم على أمية ابن أبي الصلت وكان من بلغاء العرب حيث كان نائما فأتاه طائر وأدخل منقاره في فيه فلما استيقظ نسي جميع علومه.

وغير اللسان على رجل بسبب العقوق حيث نادته والدته فلم يجب فصار أخرس.

وغير الإيمان على برصيصا بسبب شرب الخمر والزنى بعدما عبد الله تعالى مائتين وعشرين سنة إلى غير ذلك.

وقد قال كعب الأحبار لما أهبط الله تعالى آدم عليه السلام جاءه ميكائيل بشيء من حب الحنطة وقال : هذا رزقك ورزق أولادك قم فاضرب الأرض وابذر البذر قال : ولم يزل الحب من عهد آدم إلى زمن إدريس عليهما السلام كبيضة النعام فلما كفر الناس نقص إلى بيضة الدجاجة ثم إلى بيضة الحمامة ثم إلى قدر البندقة وكان في زمن عزير عليه السلام على قدر الحمصة.

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ظهور الفاحشة في قوم وإعلانها سبب لفشو الطاعون والأوجاع.

ونقص الميزان والمكيال سبب للقحط وشدة المؤوتة وجور السلطان.

ومنع الزكاة سبب لانقطاع المطر ولولا البهائم لم يمطروا.

ونقض عهد الله وعهد رسوله سبب لتسلط العدو.

جزء : 7 رقم الصفحة : 3

وأخذ الأموال من أيدي الناس وعدم حكم الأئمة بكتاب الله سبب لوقوع السيف

46

والقتال بين الناس.

وأكل الربا سبب للزلزلة والخسف فضرر البعض يسري إلى الجميع ولذا يقال : من أذنب ذنبا فجميع الخلق من الإنس والدواب والوحوش والطيور والذر خصماؤه يوم القيامة فلا بد من الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والطاعة والإصلاح فإن فيه الفوز والفلاح.

قال ذو النون المصري قدس سره : رأيت رجلا إحدى رجليه خارجة من صومعته يسيل منها الصديد فسألته عن ذلك فقال : زارتني امرأة فنامت بجنب صومعتي فحملتني نفسي على أن أنزل عليها بالفجور فساعدتني إحدى رجلي دون الأخرى فحلفت أن لا تصحبني أبدا وهذا حقيقة التوبة والندامة نسأل الله العفو والعافية والسلامة.

توبه كردم حقيقت باخدا

نشكنم تاجان شدن ازتن جدا

كذا في "المثنوي" نقلا عن لسان نصوح.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٧ · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٧ · ص ٣٤