وفي "التأويلات النجمية" : يعني الإعادة أهون عليه من البداءة لأن في البداءة كان بنفسه مباشرا للخليقة وفي الإعادة كان المباشر إسرافيل بنفخته والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق وعنده سواء لأن أفعال الأغيار أيضا مخلوقة.
وفيه إشارة أخرى في غاية الدقة واللطافة وهي أن الخلق أهون على الله عند الإعادة منهم عند البداءة لأن في البداءة لم يكونوا متلوثين بلوث الحدوث ولا متدنسين
26
بدنس الشركة في الوجود بأن يكونوا شركاء في الوجود مع الله فلعزتهم في البداءة باشر بنفسه وخلقهم وفي الإعادة لهوانهم باشر بنفسي غيره انتهى.
قال في "القاموس" : هان هونا بالضم وهوانا ومهانة ذل وهونا سهل فهو هين بالتشديد والتخفيف وأهون ﴿وله﴾ أي : تعالى ﴿المثل الاعلى﴾ المثل بمعنى الصفة كما في قوله : ﴿مثل الجنة التى﴾ (الرعد : 35) ﴿مثلهم فى التورااة﴾ (الفتح : 29) أي : الوصف الأعلى العجيب الشان من القدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال التي ليس لغيره ما يدانيها فضلا عما يساويها ، وبالفارسية : (ومروراست صفت برترو صنعت بزركتر ون قدرت كامله وحكمت شامله ووحدت ذات وعظمت صفات) ومن فسره بقوله لا إله إلا الله أراد به الوصف بالوحدانية يعني له الصفة العليا وهو أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره ﴿فى السماوات والارض﴾ متعلق بمضمون الجملة المتقدمة على معنى أنه تعالى قد وصف به وعرف فيهما على ألسنة الخلائق أي : نطقا وألسنة الدلائل أي دلالة ﴿وهو العزيز﴾ أي : القادر الذي لا يعجز عن بدء ممكن وإعادته ﴿الحكيم﴾ الذي يجري الأفعال على سنن الحكمة والمصلحة.
يقول الفقير : دلت الآية على أن السموات والأرض مشحونة بشواهد وحدته ودلائل قدرته تعالى :
زهر ذره بدورويى وراهيست
جزء : 7 رقم الصفحة : 3
بر اثبات وجود اوكواهيست
وذلك لأهل البصيرة فإنهم هم المطالعون جمال أنواره والمكاشفون عن حقيقة أسراره والعجب منك أنك إذا دخلت بيت غني فتراه مزينا بأنواع الزين فلا ينقطع تعجبك عنه ولا تزال تذكره وتصف حسنه طول عمره وأنت تنظر أبدا إلى الآفاق والأنفس وهي بيوت الله المزينة بأسمائه وصفاته وآثاره المتجلية بقدرته وعجيب آياته ثم أنت فيما شاهدته أعمى عن حقيقته لعمى باطنك وعدم دخولك في بيت القلب الذي بالتفكر المودع فيه يستخرج الحقائق وبالتذكر الموضوع فيه يرجع الإنسان إلى ما هو بالرجوع لائق وبالشهود الذي فيه يرى الآيات ويدرك البينات ولولا هداية الملك المتعال لبقي الخلق في ظلمات الضلال وسرادقات الجلال.
قال بعض الكبار في سبب توبته : كنت مستلقيا على ظهري فسمعت طيورا يسبحن فأعرضت عن الدنيا وأقبلت إلى المولى وخرجت في طلب المرشد فلقيت أبا العباس الخضر عليه السلام فقال لي : اذهب إلى الشيخ عبد القادر قدس سره فإني كنت في مجلسه فقال : إن الله تعالى جذب عبدا إلى جنابه فأرسله إلي إذا لقيته قال : فلما جئت إليه قال : مرحبا بمن جذبه الرب إليه بألسنة الطير وجمع له كثيرا من الخير فجميع ما في العالم حجج واضحة وأدلة ساطعة ترشد إلى المقصود فعليك بتوحيد الله تعالى في الليل والنهار فإنه خير أوراد وأذكار قال تعالى : ﴿ولذكر الله أكبر﴾ (العنكبوت : 45) وذكر الله سبب الحضور وموصل إلى مشاهدة المذكور ولكن الكل بعناية الله الملك الغفور ومن لم يجعل له نورا فماله من نور :
ياذا الذي أنس الفؤاد بذكره
أنت الذي ما أن سواك أريد
تفنى الليالي والزمان بأسره
وهواك غض في الفؤاد جديد
27
قال ذو النون المصري قدس سره : رأيت في جبل لكام فتى حسن الوجه حسن الصوت وقد احترق بالعشق والوله فسلمت عليه فرد علي السلام وبقي شاخصا يقول :
أعميت عيني عن الدنيا وزينتها
فأنت والروح شيء غير مفترق
إذا ذكرتك وافى مقلتي أرق
من أول الليل حتى مطلع الفلق
وما تطابقت الأحداق عن سنة
إلا رأيتك بين الجفن والحدق
قلت : أخبرني ما الذي حبب إليك الانفراد وقطعتك عن المؤانسين وهيمك في الأودية والجبال فقال حبي له هيمني وشوقي إليه هيجني ووجدي به أفردني ثم قال : ياذا النون أعجبك كلام المجانين قلت : أي : والله واشجاني ثم غاب عني فلم أدر أين ذهب رضي الله عنه وجعل من حاله نصيبا لأهل الاعتقاد ومن طريقه سلوكا لأهل الرشاد إنه العزيز الحكيم الجواد والرؤوف بالعباد الرحيم يوم التناد الموصل في الدارين إلى المراد.
جزء : 7 رقم الصفحة : 3