ثم إن الله تعالى خلق الآيات وأشار إليها مع وضوحها تنبيها للناظرين وتعليما للجاهلين وتكميلا للعالمين فمن له بصر رآها ومن له بصيرة عرفها.
يقال الأمم على الاختلاف الأزمان والأديان متفقة على مدح أخلاق أربعة : العلم ، والزهد ، والإحسان ، والأمانة ، والمتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يقطع المسافة.
ثم إن المعتبر هو العلم بالله الناظر إلى عالم الملكوت وهذا العلم من الآيات الكبرى وصاحبه يشاهد الشواهد العظمى بالبصيرة الأجلى بل يعلم الكائنات قبل وجودها ويخبر بها قبل حصول أعيانها وفي زماننا قوم لا يحصى عددهم غلب عليهم الجهل بمقام العلم ولعبت بهم الأهواء حتى قالوا إن العلم حجاب ولقد صدقوا في ذلك لو اعتقدوا أي : والله حجاب عظيم يحجب القلب عن الغفلة والجهل.
قال سهل بن عبد الله التستري قدس سره : السماء رحمة للأرض وبطن الأرض رحمة لظهرها والآخرة رحمة للدنيا والعلماء رحمة للجهال والكبار رحمة للصغار والنبي عليه السلام رحمة للخلق والله تعالى رحيم بخلقه.
وأجناس العلوم كثيرة منها : علم النظر ، وعلم الخبر ، وعلم النبات ، وعلم الحيوان ، وعلم الرصد ، إلى غير ذلك من العلوم ولكل جنس من هذه العلوم وأمثالها فصول تقومها وفصول تقسمها فلننظر ما نحتاج إليه في أنفسنا مما تقترن به سعادتنا فنأخذه ونشتغل به ونترك ما لا نحتاج إليه احتياجا ضروريا مخافة فوت الوقت حتى تكون الأوقات لنا إن شاء الله تعالى.
والذي يحتاج من فصول هذه الأجناس فصلان : فصل يدخل تحت جنس النظر وهو علم الكلام ونوع آخر يدخل تحت جنس الخبر وهو الشرع والعلوم الداخلة تحت هذين النوعين التي يحتاج إليها في تحصيل السعادة ثمانية وهي الواجب والجائز والمستحيل والذات والصفات والأفعال وعلم السعادة وعلم الشقاوة فهذه الثمانية واجب طلبها على كل طالب نجاة نفسه وعلم السعادة والشقاوة موقوف على معرفة الواجب والمحظور والمندوب والمكروه والمباح.
وأصول هذه الأحكام الخمسة ثلاثة : الكتاب والسنة والمتواترة والإجماع كذا في مواقع النجوم للشيخ الأكبر قدس سره الأطهر وفقكم الله وإيانا لهذه العلوم النافعة وشرح صدورنا بالفيوض والأسرار وجعلنا مستضيئين بين شمس وقمر إلى نهاية الأعمار وفناء الدار.
جزء : 7 رقم الصفحة : 3
﴿ومن ءاياته﴾ أي : ومن أعلام قدرته تعالى على مجازاة العباد في الآخرة ﴿منامكم﴾ مفعل من النوم أي : نومكم الذي هو راحة لأبدانكم وقطع لأشغالكم ليدوم لكم به البقاء إلى آجالكم ﴿باليل﴾ كما هو المعتاد
21
﴿والنهار﴾ أيضا على حسب الحاجة كالقيلولة ﴿وابتغآؤكم من فضله﴾ وطلب معاشكم فيهما فإن كلا من المنام وطلب القوت يقع في الليل والنهار وإن كان الأغلب وقوع المنام في الليل والطلب في النهار.
وفيه إشارة إلى الحياة بعد الممات فإنها نظير الانتباه من المنام والانتشار للمعاش ، وفي "المثنوي" :
نوم ما ون شداخ الموت أي : فلان
زين برادر آن برادررا بدان
وقدم الليل على النهار لأن الليل لخدمة المولى والنهار لخدمة الخلق ومعارج الأنبياء عليهم السلام كانت بالليل ولذا قال الإمام النيسابوري : الليل أفضل من النهار.
يقول الفقير : الليل محل السكون وهو الأصل والنهار محل الحركة وهو الفرع كما أشار إليه تعالى في قوله : "كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق" إذ الخلق يقتضي حركة معنوية وكان ما قبل الخلق سكونا محضا يعني عالم الذات البحت.
قال بعض الكبار : لم يقل تعالى وبالنهار ليتحقق لنا أن يريد أننا في منام في حال يقظتنا المعتادة أي : أنتم في منام ما دمتم في هذه الدار يقظة ومناما بالنسبة لما أمامكم فهذا سبب عدم ذكر الباء في قوله والنهار والاكتفاء بباء الليل انتهى يعني لو قيل بالنهار كان لا يتعين فيه ذلك لجواز أن يكون الجار والمجرور معمولا لمحذوف معطوف على المبتدأ تقديره ويقظتكم بالنهار ثم حذف لدلالة معموله أو مقابله عليه كقوله :
علفتها تبنا وماء باردا
أي وسقيتها ماء باردا ﴿إن فى ذالك﴾ الأمر العظيم العلي المرتبة من إيجاد النوم بعد النشاط والنشاط بعد النوم الذي هو الموت الأصغر وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما والجد في الابتغاء مع المفاوتة في التحصيل ﴿لايات﴾ عديدة على القدرة والحكم لا سيما البعث ﴿لقوم يسمعون﴾ أي : شأنهم أن يسمعوا الكلام من الناصحين سماع من انتبه من نومه فجسمه مستريح نشيط وقلبه فارغ عن مكدر للنصح مانع قبوله.
وفيه إشارة إلى أن من لم يتأمل في هذه الآيات فهو نائم لا مستيقظ فهو غير مستأهل لأن يسمع ، قال الشيخ سعدي قدس سره :
جزء : 7 رقم الصفحة : 3
كسى راكه ندار در سربود
مندار هركزكه حق بشنود
زعلمش ملال آيد ازوعظ ننك
شقايق بباران نرويد بسنك
كرت در درياى فضلست خيز
بتذكير دراى درويش ريز
نه بينى كه دراى افتاده خار
برويد كل وبشكفد نوبهار
وقال الحافظ :