﴿يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير﴾ الدعاء بمعنى القول واللام داخلة على الجملة الواقعة مقولا له ومن مبتدأ وخبره مبتدأ ثان خبره أقرب والجملة صلة للمبتدأ الأول وقوله لبئس إلخ جواب لقسم مقدر وهو وجوابه خبر للمبتدأ الأول وإيثار من على ما مع كون معبوده جمادا وإيراد صيغة التفضيل مع خلوه عن النفع بالكلية للمبالغة في تقبيح حاله والإمعان في ذمه ، أي : يقول ذلك الكافر يوم القيامة بدعاء وصراخ حين يرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه ولا يرى منه أثر النفع أصلا لمن ضره أقرب من نفعه والله لبئس الناصر ولبئس الصاحب والمعاشر والخليط هو فكيف بما هو ضرر محض عار عن النفع بالكلية ، فالآية استئناف مسوق لبيان مآل دعائه المذكور وتقرير كونه ضالا بعيدا والظاهر أن اللام ، زائدة ومن مفعول يدعو ويؤيده القراءة بغير اللام أي يعبد من ضره بكونه معبودا لأنه يوجب القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة أقرب من نفعه الذي يتوقع بعبادته في زعمهم وهو الشفاعة والتوسل إلى الله فإيراد كلمة من وصيغة التفضيل تهكم به والجملة القسمية مستأنفة.
جزء : 6 رقم الصفحة : 11
﴿إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الانهار﴾ بيان لكمال حسن حال المؤمنين العابدين له تعالى أثر بيان سوء حال الكفرة.
والجنة الأرض المشتملة على الأشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها والنهر مجرى الماء الفائض فإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد الحكمي كقولهم سال الميزاب إذ الجريان من أوصاف الماء لا من أوصاف النهر ووصف الجنات به دلالة على أنها من جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها لتميل إليها طباعهم كما قال الكاشفي (غايت نزهت باغ وبستان بآب روانست) ﴿إن الله يفعل ما يريد﴾ أي يفعل البتة كل ما يريده من إثابة الموحد الصالح وعقاب المشرك لا دافع له ولا مانع.
وفي الآيات إشارات ، منها : أن من يعبد الله على طبع وهوى ورؤية عوض وطمع كرامات ومحمدة الخلق ونيل الدنيا فإذا أصابته أمانيه سكن في العبادة وإذا لم يجد شيئا منها ترك التحلي بتحلية الأولياء فخسرانه في الدنيا فقدان القبول والجاء عند الخلق وافتضاحه عندهم وسقوطه من طريق السنة والعبادة إلى الضلالة والبدعة وخسرانه في الآخرة بقاؤه في الحجاب عن مشاهدة الحق واحتراقه بنيران البعد ، وأيضا أن بعض الطالبين ممن لا صدق له ولا ثبات في الطلب يكون من أهل التمني فيطلب الله في شك فإن أصابه شيء مما يلائم نفسه وهواه ، أو فتوح من الغيب أقام على الطلب في الصحبة وإن أصابه بلاء أو شدة وضيق في المجاهدات والرياضات وترك الشهوات ومخالفة النفس وملازمة الخدمة ورعاية حق الصحبة والتأدب بآداب الصحبة والتحمل من الإخوان انقلب على وجه يتبدل
12
الإقرار بالإنكار والاعتراض والتسليم بالآباء والاستكبار والإرادة بالارتداد والصحبة بالهجران خسر ما كان عليه من الدنيا وبتركه وخسر الآخرة بارتداده عن الطلب والصحبة.
ومن هنا قال الشيخ مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة ذلك هو الخسران المبين فإن من رده صاحب قلب يكون مردود القلوب كلها كما أن من قبله يكون مقبول الكل.
قال الحافظ :
جزء : 6 رقم الصفحة : 12
كليد كنج سعادت قبول أهل دلست
مباد كس كه درين نكته شك وريب كند
شبان وادىء أيمن كهي رسد بمراد
كه ندان سال بجان خدمت شعيب كند
يقول الفقير : المسلمون صنفان صنف مشتغل بالجهاد الأصغر وصنف مشتغل بالجهاد الأكبر فضعفاء الصنف الأول يكونون على طرف الجيش والثاني على طرف الدين فإن كان الأمر على مرادهم أقبلوا وإلا أدبروا وفي ذلك خسارة لهم من جهة الدنيا والآخرة لأنهم يغلبهم الكفار والنفس الأمارة في الدنيا ويفوت عنهم درجات السعداء في الآخرة فلا يظفرون بغنيمة مطلقا فلا بد من الصبر على المشاق.
وقال الشيخ سعدي في وصف الأولياء.
خوشا وقت شوريد كان غمش
اكر زخم بينند اكر مرهمش
دما دم شراب ألم در كشند
وكر تلخ بينند دم در كشند
نه تلخست صبري كه برياد أوست
كه تلخي شكر باشد ازدست دوست
ومنها : أن من يعبد الله يعبد الضار والنافع الذي يصدر منه كل نفع وضر إما بواسطة الملائكة والإنس والجمادات أو بغير الواسطة وأما من يعبد ما سواه تعالى فيعبد ما لا يضر وما لا ينفع وذلك لأن الملك أو الإنسان أو الشيطان أو شيئا من المخلوقات من فلك أو كوكب أو غيرها لا يقدر على خير أو شر بنفسه أو نفع أو ضر بل كل ذلك أسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له وجملة ذلك بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم بالإضافة إلى الكاتب فلبئس المولى ما عبده وطلبه من دون الله تعالى ولبئس العشير أي ما عاشره وشهواتها.