تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في كلام أهل البدعة والأهواء كخوار العجل فكما أن السامري ضل بذلك الخوار وأضل كثيرا من بني إسرائيل فكذا كل من كان في حكمه فإنه يغتر بأوهامه وخيالاته ظنا أنها علوم صحيحة فيدعو أهل الأوهام إليها فيضلهم بخلاف من له علم صحيح وكشف صريح فإنه لا يلتفت إلى كلمات الجهال ولا يميل إلى خارق العادة ألا ترى أن من ثبت على دين موسى لم يصخ إلى الخوار وعرف أنه ابتلاء من الله تعالى فويل للمجادل المبطل وويل للسامع إلى كلامه

10

وقد ذم الله تعالى هذا المجادل بالكبر وهو من الصفات العائقة عن قبول الحق ولا شيء فوقه من الذمائم.

وعن أرسطو من تكبر على الناس أحب الناس ذلته.

وعنه : بإصابة المنطق يعظم القدر.

وبالتواضع تكثر المحبة.

وبالحلم تكثر الأنصار.

وبالرفق يستخدم القلوب.

وبالوفاء يدوم الإخاء.

وبالصدق يتم الفضل.

نسأل الله التخلي عن الصفات القبيحة الرذيلة والتحلي بالملكات الحسنة الجميلة.

﴿ومن الناس﴾ .

روي : أن الآية نزلت في أعاريب قدموا المدينة وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهريا سريا وولدت امرأته ولدا وكثر ماله وماشيته قال : ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا واطمأن وإن كان الأمر بخلافه قال ما أصبت إلا شرا وانقلب فقال تعالى وبعض الناس : ﴿من يعبد الله﴾ حال كونه ﴿على حرف﴾ أي على طرف من الدين لا في وسطه وقلبه فلا ثبات له فيه كالذي ينحرف على طرف الجيش فإن أحس بظفر قر وإلا فر فالحرف الطرف والناحية وصف الدين بما هو من صفات الأجسام على سبيل الاستعارة التمثيلية.

جزء : 6 رقم الصفحة : 10

قال الراغب : حروف الهجاء أطراف الكلمة الرابطة بعضها ببعض ﴿فإن أصابه﴾ (س اكر برسد اورا) ﴿خير﴾ أي دنيوي من الصحة والسعة ﴿اطمأن﴾ في الدين ﴿به﴾ بذلك الخير والاطمئنان السكون بعد الانزعاج.

قال الكاشفي (آرام كير بدين وثابت شود برآن بسبب آن يز) انتهى أي ثبت على ما كان عليه ظاهرا لا باطنا إذ ليس له اطمئنان المؤمنين الراسخين ﴿وإن أصابته فتنة﴾ أي : شيء يفتن به من مكروه يعتريه في نفسه أو أهله أو ماله فالمراد بالفتنة ما يستكرهه الطبع ويثقل على النفس وإلا لما صح أن يجعل مقابلا للخير لأنه أيضا فتنة وامتحان وإن أصابه شر مع أنه المقابل للخير لأن ما ينفر عنه الطبع ليس شرا في نفسه ، بل هو سبب القربة ورفع الدرجة بشرط التسليم والرضى بالقضاء.

﴿انقلب على وجهه﴾ الانقلاب الانصراف والرجوع والوجه بمعنى الجهة والطريقة أي ارتد ورجع إلى الكفر.

قال الكاشفي : (بركردد برروي خود يعني ازجهتي كه آمده بدان جهت عودكند مراد آنست كه مرتد كردد واز دين إسلام دست بردارد).

يقول الفقير : قوله في "بحر العلوم" : تحول عن وجهه فانكب فرجع إلى ما كان عليه من الكفر يشير إلى أن على بمعنى عن كما ذهب إليه بعضهم في قوله تعالى : ﴿وما من دآبة في الارض إلا على الله رزقها﴾ (هود : 6) حيث فسره بالجهة التي أقبل إليها وهي الإسلام ﴿خسر الدنيا والاخرة﴾ فقدهما وضيعهما بذهاب عصمته وحبوط عمله بالارتداد والأظهر أن خسران الدنيا ذهاب أهله حيث أصابته فتنة وخسران الآخرة الحرمان من الثواب حيث ذهب الدين ، ودخل النار مع الداخلين كما قال الكاشفي : (زيان كرد دنيا كه بمراد نرسد وزيان دارد در آخرت كه عملها ي أونابود شد) ﴿ذالك﴾ (زيان هردو سراي) ﴿هو الخسران المبين﴾ (آنست زيان هويدا ه برهمه عقلا ظاهر اسن زيان ازان عظيم ترنيست).

نه مال ونه أعمال نه دنيا ونه دين

لامعة صدق ونه أنوار يقين

درهر دوجهان منفعل وخوار وحزين

البته زياني نبود بدتر ازين

قال بعضهم : الخسران في الدنيا ترك الطاعات ولزوم المخالفات والخسران في الآخرة كثرة

11

الخصوم والتبعات.

جزء : 6 رقم الصفحة : 10

﴿يدعوا من دون الله﴾ استئناف مبين لعظم الخسران فيكون الضمير راجعا إلى المرتد المشرك أي يعبد متجاوزا عبادة الله تعالى : ﴿ما لا يضره﴾ إذا لم يعبده ﴿وما لا ينفعه﴾ إن عبده أي جمادا ليس من شأنه الضر والنفع كما يلوح به تكرير كلمة ما ﴿ذالك﴾ الدعاء ﴿هو الضلال البعيد﴾ عن الحق والهدى مستعارا من ضلال من أبعد في التيه ضالا عن الطريق فطالت وبعدت مسافة ضلاله فإن القرب والبعد من عوارض المسافة الحسية.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٦ · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٦ · ص ٧