والفلاح الظفر وإدراك البغية وذلك ضربان دنيوي وآخروي ، فالدنيوي الظفر بالسعادات التي يطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء والغني والعز والعلم والأخروي أربعة أشياء بقاء بلا فناء وغني بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل ولذلك قيل لا عيش إلا عيش الآخرة.
جزء : 6 رقم الصفحة : 63
زنهار دل مبند براسباب دنيوي
قالوا : الآية آية سجدة عند الشافعي وأحمد لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود.
قال الكاشفي :
63
(اين سجد ، مختلف فيه است وبمذهب إمام شافعي سجدة هفتم باشد از سجدات قرآن وحضرت شيخ اين راسجدة الفلاح كفته) وقال الإمام الأعظم والإمام مالك : دل مقارنة السجود بالركوع في الآية على أن المراد سجود الصلاة.
قال في "التأويلات النجمية" : يشير بقوله : يا اأيها الذين ءامنوا} الآية إلى الرجوع من تكبر قيام الإنسانية إلى تواضع خشوع الحيوانية فإن الحيوانات على أربع في الركوع لقوله : ﴿ومنهم من يمشى على أربع﴾ (النور : 45) والرجوع من الركوع إلى الانكسار والذلة والنباتية في السجود فإن النبات في السجود لقوله : ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ (الرحمن 6) لأن الروح بهذه المنازل كان مجيئه من عالم الأوراح عبر على المنزل النباتي ثم على المنزل الحيواني إلى أن بلغ المنزل الإنساني فعند رجوعه إلى الحضرة يكون عبوره على هذه المنازل وهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم "الصلاة معراج المؤمنين" ثم قال : ﴿واعبدوا ربكم﴾ يعني : بهذا الرجوع إليه خالصا لوجه تعالى : ﴿وافعلوا الخير﴾ بالتوجه إلى الله في جميع أحوالكم وأعمال الخير كلها ﴿لعلكم تفلحون﴾ بالعبور على هذا المنازل من حجب الظلمات النفسانية والأنوار الروحانية.
﴿وجاهدوا﴾ الجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو ﴿فى الله﴾ أي في سبيل الله كما في "تفسير الجلالين".
وقال في غيره : أيولأجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ والباطنة كالهوى والنفس ﴿حق جهاده﴾ (نانكه سزاوار جهاد أو باشد يعني بدل صافي ونيت خالص) أي جهادا فيه حقا خالصا لوجهه فعكس وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة وأضيف الجهاد إلى الضمير الراجع إلى الله اتساعا.
قال الإمام الراغب : الجهاد ثلاثة أضرب مجاهدة العدو الظاهر ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى : ﴿وجاهدوا فى الله حق جهاده﴾ وفي الحديث : "جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم" ، وفي الحديث : "جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم" وعنه صلى الله عليه وسلم أنه رجع من غزوة تبوك فقال : "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" فجهاد النفس أشد من جهاد الأعداء والشياطين وهو حملها على اتباع الأوامر والاجتناب عن النواهي.
وفي "المثنوي" :
جزء : 6 رقم الصفحة : 63
أي شهان كشتيم ما خصم برون
ماند ازو خصمي بتر در اندرون
كشتن اين كار عقل وهو ش نيست
شير باطن سخرة خركوش نيست
﴿هو اجتباكم﴾ أي : هو اختاركم لدينه ونصرته لا غيره وفيه تنبيه على ما يقتضي الجهاد ويدعو إليه.
قال ابن عطاء الاجتبائية أورثت المجاهدة لا المجاهدة أورثت الاجتبائية.
وفي "التأويلات النجمية" : ﴿وجاهدوا فى الله حق جهاده﴾ بأن تجاهدوا النفوس في تزكيتها بأداء الحقوق وترك الحظوظ وتجاهدوا القلوب في تصفيتها بقطع تعلقات الكونين ولزوم المراقبات عن الملاحظات وتجاهدوا الأرواح في تحليتها بإفناء الوجود في وجوده ليبقى بوجوده وجوده ﴿هو اجتباكم﴾ لهذه الكرامات من بين سائر البريات ولولا أن اجتباكم واستعداد هذا الجهاد أعطاكم وإليه هداكم لما جهدتم في الله كما قيل :
فلولا كمو ما عرفنا الهوى
ولولا الهوى ما عرفنا كمو
ومن مبادىء الحق الجهاد وهو أن لا يفتر مجاهدة النفس لحظة كما قال قائلهم :
يا رب أن جهادي غير منقطع
فكل أرضك لي ثغر وطرطوس
64
﴿وما جعل عليكم فى الدين من حرج﴾ أصل الحرج والحراج مجتمع الشيء وتصور منه ضيق ما بينهما فقيل للضيق حرج أي ما جعل فيه من ضيق بتكليف ما يشق عليه إقامته ولذلك أزال الحرج في الجهاد عن الأعمى والأعرج وعادم النفقة والراحلة والذي لا يأذن له أبواه.
قال الكاشفي : (يعني برشماتنك فرانكرفت ودر أحكام دين تكليف ما لا يطاق نكرد بوقت ضرورت رخصتها دادون قصر تميم وإفطار در مرض وسفر).