تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿لكل أمة﴾ معينة من الأمم الماضية والباقية والأمة جماعة أرسل إليهم رسول.

﴿جعلنا﴾ (معين ساختيم) ﴿منسكا﴾ مصدر مأخوذ من النسك وهو العبادة أي شريعة خاصة لا لأمة منهم على معنى عينا كل شريعة لأمة معينة من الأمم بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى لا استقلالا ولا اشتراكا.

﴿هم ناسكوه﴾ صفة لمنسكا مؤكدة للقصر المستفاد من تقديم الجار والمجرور على الفعل والضمير لكل أمة باعتبار خصوصها أي تلك الأمة المعينة ناسكوه والعاملون به لأمة أخرى فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام ، منسكهم التوراة هم ناسكوها والعاملون بها لا غيرهم والأمة التي من مبعث عيسى إلى مبعث النبي عليه السلام ، منسكهم الإنجيل هم ناسكوه والعاملون به لا غيرهم وأما الأمة الموجودة عند بعث النبي عليه السلام ومن بعدهم من الموجودين إلى يوم القيامة فهم أمة واحدة منسكهم الفرقان ليس إلا.

﴿فلا ينازعنك﴾ أي : من يعاصرك من أهل الملل يقال : نزع الشيء جذبه من مقره كنزع القوس عن كبده المخاصمة ﴿فى الامر﴾ أي : في أمر الدين زعما منهم أن شريعتهم ماعين لآبائهم الأولين من التوراة والإنجيل فإنهما شريعتان لمن مضى من الأمم قبل انتساخهما وهؤلاء أمة مستقلة منسكهم القرآن المجيد فحسب.

وبالفارسية (س بايدكه نزاع نكنند سائر أرباب اديان باتو دركار دين ه امردين توازان ظاهر ترست كه تصور نزاع دران توان درتور آفتاب ه جاي تأمل است).

﴿وادع﴾ الناس كافة ولا تخص أمة دون أمة بالدعوة فإن كل الناس أمتك ﴿إلى ربك﴾ إلى توحيده وعبادته حسبما بين لهم في منسكهم وشريعتهم ﴿إنك لعلى هدى مستقيم﴾ أي : طريق موصل إلى الحق سوي وهو الدين.

﴿وإن جادلوك﴾ وخاصموك بعد ظهور الحق ولزوم الحجة وأصله من جدلت الحبل أي حكمت فتله فكأن المجادلين يفتل كل واحد منهما الآخر عن رأيه.

﴿فقل﴾ لهم على سبيل الوعيد ﴿الله أعلم بما تعملون﴾ من الأباطيل التي من جملتها المجادلة فيجازيكم عليها.

جزء : 6 رقم الصفحة : 57

﴿الله يحكم بينكم﴾ يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين ﴿يوم القيامة﴾ بالثواب والعقاب كما فصل في الدنيا بالحجج والآيات ﴿فيما كنتم فيه تختلفون﴾ من أمر الدين.

﴿ألم تعلم﴾ الاستفهام للتقرير أي قد علمت ﴿أن الله يعلم ما فى السمآء والارض﴾ فلا يخفى عليه شيء من الأشياء التي من جملتها ما يقول الكفرة وما يعملونه.

﴿إن ذالك﴾ أي : ما في السماء والأرض ﴿فى كتاب﴾ هو اللوح قد كتب فيه قبل حدوثه فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به وحفظنا له.

﴿إن ذالك﴾ أي ما ذكر من العلم والإحاطة به وإثباته في اللوح ﴿على الله يسير﴾ سهل : وبالفارسية : (آسانست) فإن علمه وقدرته مقتضى ذاته فلا يخفى عليه شيء ولا يعسر عليه مقدور.

وفي الآيات إشارات : منها أن لكل فريق من الطلاب شرعة هم واردوها ولكل قوم طريقة هم سالكوها ومقاما هم سكانه ومحلا هم قطانه ربط كل جماعة بما أهلهم وأوصل كل ذوي رتبة إلى ما جعله محلهم فبساط التعبد موطوء بأقدام العابدين ومشاهد الاجتهاد معمورة بأصحاب

58

الكلف من المجتهدين ومجالس أصحاب المعارف مأنوسة بلوازم العارفين ومنازل المحبين مأهولة بحضور الواجدين ولتفاوت مقامات السلوك والموصول تفاوتت الدعوة إلى الله تعالى فمنهم من يدعو الخلق من باب الفناء في حقيقة العبودية وهو قوله تعالى : ﴿وقد خلقتك من قبل ولم تك شياا﴾ (مريم : 9) ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة العبودية وهو الذلة والافتقار وما يقتضيه مقام العبودية ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق الرحمانية ومنهم من يدعوهم من باب ملاحظة الأخلاق بالقهرية ومنهم من يدعوهم من باب الأخلاق الإلهية وهو أرفع باب وأجله وقد قالوا الطرق إلى الله بعد أنفاس الخلائق وبعدد الأنفاس الإلهية فإن الشؤون المتجددة من الله تعالى في كل مظهر أنفاس الإلهية.

جزء : 6 رقم الصفحة : 58

ومنها : أن أهل المجادلة هم أهل التأبي والإنكار والاعتراض والله أعلم بأحوالهم ويحكم يوم القيامة بين كل فريق بما يناسب حاله أما الأجانب فيقول لهم : ﴿كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ (الإسراء : 14) وأما الأولياء فقوم منهم يحاسبهم حسابا يسيرا وصنف منهم يؤتون أجورهم بغير حساب وأما الأحباب فيقعدون في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

ومنها : أن السماء سماء القلب وفية نور اليقين والصدق والإخلاص والمحبة والأرض أرض البشرية والنفس الأمارة وفيها ظلمة الشك والكذب والشرك وحرص الدنيا فيزيل الله عن أرباب القلوب البلوى ويجمل لهم النعمى وتنزل بأرباب النفوس البلوى ولا يسمع منهم الشكوى أن ذلك في كتاب مكتوب بقلم التقدير في القدم كما قال الشيخ سعدى.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٦ · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٦ · ص ٤١