تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الإمام الغزالي رحمه الله الحميد هو المحمود المثنى عليه والله تعالى هو الحميد لحمده لنفسه أزلا ولحمد عباده له أبدا ويرجع هذا إلى صفات الجلال والعلو والكمال منسوبا إلى ذكر الذاكرين له فإن الحمد هو ذكر أوصاف الكمال من حيث هو كمال.

جزء : 6 رقم الصفحة : 53

﴿ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الأرض﴾ أي جعل ما فيها من الأشياء مذللة لكم معدة لمنافعكم تتصرفون فيه كيف شئتم فلا أصلب من الحجر ، ولا أشد من الحديد ولا أهيب من النار وهي مسخرة منقادة لكم ﴿والفلك﴾ عطف على ما أو على اسم أن ﴿تجرى فى البحر بأمره﴾ ، حال من الفلك والمراد ، بالأمر التيسير والمشيئة ﴿ويمسك السمآء﴾ من ﴿أن تقع على الأرض﴾ بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك يقال أمسك الشيء إذا أخذه والوقوع السقوط ﴿إلا بإذنه﴾ أي بمشيئة.

قال الراغب : في الشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه انتهى.

وذلك يوم القيامة وفيه رد لاستمساكها ، بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية فتكون قابلة للميل الهابط كقبول غيرها.

يقول الفقير : من الغرائب ما رأيت في بعض الكتب أن طائرا كان يتدلى من الشجرة برجله كل ليلة إلى الصباح ويصبح خوفا من وقوع السماء عليه ونظيره ما ذكره الحافظ أن الكركي لا يطأ الأرض بقدميه

56

بل بأحدهما فإذا وطئها لم يعتمد عليها خوفا أن تخسف الأرض وفي هذين عبرة لأولي الأبصار.

﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ (مهربان وبخشاينده است) حيث هيأ لهم أسباب معاشهم وفتح لهم أبواب المنافع ودفع عنهم أنواع المضار وأوضح لهم مناهج الاستدلال بالآيات التكوينية والتنزيلية بمعنى الرحيم أو الرأفة أشد الرحمة أو أرقها كما في "القاموس".

قال في "بحر العلوم" : لرؤوف لمريد للتخفيف على عباده رحيم مريد للإنعام عليهم.

﴿وهو الذى أحياكم﴾ بعد أن كنتم جمادا عناصر ونطفا حسبما فصل في مطلع السورة الكريمة.

﴿ثم يميتكم﴾ عند مجيء آجالكم.

﴿ثم يحييكم﴾ عند البعث ﴿إن الانسان لكفور﴾ أي : لجحود للنعم مع ظهورها فلا يعبد المنعم الحقيقي وهذا وصف للجنس بوصف بعض أفراده.

جزء : 6 رقم الصفحة : 56

قال الجنيد قدس سره أحياكم بمعرفته ثم يميتكم بأوقات الغفلة والفترة ثم يحييكم بالجذب بعد الفترة ثم يقطعكم عن الجملة فيوصلكم إليه حقيقة أن الإنسان لكفور يذكر ما له وينسى ما عليه.

اعلم أن الله تعالى كرم الإنسان وعظم شأنه فنقله من عالم الجماد إلى عالم النبات ثم منه إلى عالم الحيوان ثم جعله ناطقا وأفاض عليه نعمة الصورية والمعنوية وجعل الموجودات خادمة له فلا بد من الشكر لألطافه والشكر إظهار النعمة والكشف عنها ونقيضه الكفران وهو سترها وإخفاؤها وكل نعمة فهي سبيل إلى معرفة المنعم لأنها أثره فيلزم الاستدلال بالأثر على المؤثر وهو الإيمان اليقيني وفي الحديث : "كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق وتحببت إليهم بالنعم حتى عرفوني" فعلى العاقل أن لا يغتر بالنعم والغنى ويلاحظ التوفيق في كل حال وفي الخبر أن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم "قل للقوي لا تعجبنك قوتك فإن أعجبتك قوتك فادفع الموت عن نفسك ، وقل للعالم لا يعجبنك علمك فإن أعجبنك علمك فأخبرني متى أجلك ، وقل للغني لا يعجبنك مالك وغناؤك فإن أعجبك فأطعم خلقي غداء واحدا" فالإنسان عاجز والله على كل شيء قدير ومنه النعمة إلى الصغير والكبير قال الشيخ سعدي قدس سره :

اديم زمين سفرة عام أوست

برين خوان يغماه دشمن ه دوست

ولكل عضو من أعضاء الإنسان طاعة تخصه فإذا لم يصرفه إلى مصارفه ولم يستخدمه فيما يناسب فقد تعرض لسخط الله تعالى وفي "البستان" :

يكي كوش كودك بماليد سخت

كه أي بو العجب رأى وبركشته بخت

تراتيشه دادم كه هيزم شكن

نكفتم كه ديوار مسجد بكن

زبان آمد بهر شكر وساس

بغيبت نكرداندش حق شناس

كذركاه قرآن وندست كوش

به بهتان وباطل شنيدن مكوش

دوشم از ي صنع باري نكوست

زعيب برادر فروكير ودوست

يقال : علامة المنيب أي المقبل إلى الله تعالى في ثلاث خصال :

أولاها : أن يجعل قلبه للتفكر في صفات الله والأمور الأخروية.

والثانية : أن يجعل لسانه للذكر والشكر.

والثالثة : أن يجعل بدنه للخدمة في سبيل الله تعالى بلا فتور إلى أن يأتي الموت نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لطاعته

57

وخدمته ويشرفنا بجنته ووصلته.

جزء : 6 رقم الصفحة : 56

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٦ · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٦ · ص ٤٠