جزء : 6 رقم الصفحة : 52
﴿ذالك﴾ خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك الذي قصصنا عليكم وبينا لكم والجملة لتقرير ما قبله والتنبيه على أن ما بعده كلام مستأنف.
﴿ومن﴾ (وهركه) ﴿عاقب بمثل ما عوقب به﴾ أي : من جازى الظالم بمثل ما ظلم ولم يزد في الاقتصاص والعقوبة اسم لما يعقب الجرم من الجزاء وإنما سمى الابتداء بالعقاب الذي هو جزاء الجناية ، أي مع أنه ليس بجزاء يعقب الجريمة للمشاكسة أو على سبيل المجاز المرسل فإنه ما وقع ابتداء سبب لما وقع جزاء وعقوبة فسمى
53
السبب باسم المسبب.
﴿ثم بغى عليه﴾ ظلم عليه بالمعاودة إلى العقوبة يقال : بغى عليه بغيا علا وظلم.
قال الراغب : البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى تجاوزه أو لم يتجاوزه فتارة يعتبر في القدرة التي هي الكمية وتارة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية يقال : بغيت الشيء إذا طلبت أكثر ما يجب.
﴿لينصرنه الله﴾ على من بغى عليه لا محالة وهو خبر من ﴿إن الله لعفو غفور﴾ مبالغ في العفو والغفران فيعفو عن المنتصر ويغفر له ما صدر عنه من ترجيح الانتقام على العفو والصبر المندوب إليهما بقوله : ﴿ولمن صبر وغفر إن ذالك لمن عزم الامور﴾ (الشورى : 43) فالعفو وإن اقتضى سابقية الجناية من المعفو عنه لكن الجناية لا تلزم أن تكون بارتكاب المحرم بل قد يعد ترك ما ندم إليهه جناية على سبيل الزجر والتغليظ وفي "بحر العلوم" : العفو محاء للذنوب بإزالة آثارها من ديوان الحفظة والقلوب بالكلية كي لا يطالبهم بها يوم القيامة ولا يخجلوا عند تذكرها وبأن يثبت مكان كل ذنب عملا صالحا كما قال : ﴿فأولئك يبدل الله سيااتهم حسنات﴾ غفور ، أي مريد لإزالة العقوبة عن مستحقها من الغفر وهو الستر أي ستور عليهم وقدم العفو لأنه أبلغ يشعر بالمحو الذي هو أبلغ من الستر وفيه إشارة إلى أن الأليق بالمنتصر والأقرب بحاله أن يعفو ويغفر عن كل من ظلمه ويقابله بالإحسان.
جزء : 6 رقم الصفحة : 53
بدي را بدي سهل باشد جزا
اكر مردي أحسن إلى من أساء
ولا يذكر ما صدر منه من أنواع الجفاء والأذى فإنه متى فعل ذلك فإن الله أكرم الأكرمين أولى أن يفعل ذلك على أن الانتصار لا يؤمن فيه تجاوز التسوية والاعتداء خصوصا في حال الغضب والحرب والتهاب الحمية فربما كات المنتصر من الظالمين وهو لا يشعر انتهى كلام "البحر".
يقول الفقير سمعت من في حضرة شيخي وسندي قدس سره وهو يقول الإنسان الكامل كالبحر فمن آذاه واغتابه أو قصد إليه بسوء فإنه لا يتكدر به بل يعفو عنه ألا يرى أن البول إذا وقع في البحر فالبحر يطهره وكذا من أجنب إذا دخل البحر واغتسل فإنه يتطهر ولا يتغير البحر لا بالبول ولا بدخول الجنب وقال روح الله روحه من قال في حقنا قولا فاحشا أو فعل فعلا مكروها فهو في حل فإنه إرادة الانتقام له أو وقوعه في أمر مكروه من باب الشرك في طريقنا فنحن لا نلتفت إليه أصلا بل إلى ما وتر الله لنا من الأمور وكل فعله حسن وقد أخفى جماله في جلاله وأطال في ذلك وهو مذكور في كتابنا المسمى "بتمام الفيض".
قال في "الخلاصة" : في كتاب الحدود رجل قال لآخر يا خبيث هل يقول له بل أنت الأحسن أن يكف عنه ولا يجيب ولو رفع الأمر إلى القاضي ليؤدب يجوز ومع هذا لو أجاب لا بأس به ، وفي "مجمع الفتاوي" في كتاب الجنايات لو قال لغيره : يا خبيث ، فجازاه بمثله جاز لأنه انتصار بعد الظلم ، وذلك مأذون فيه قال الله تعالى : ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ (الشورى : 41) والعفو أفضل قال الله تعالى : ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ (الشورى : 40) وإن كانت تلك الكلمة موجبة للحد لا ينبغي له أن يجيبه تحرزا عن إيجاب الحد على نفسه انتهى.
كما قال في "التنوير" : لو قال لآخر : يا زاني ، فقال الآخر : لا بل أنت الزاني حد بخلاف ما لو قال له مثلا : يا خبيث فقال : أنت تكافئا.
وفي "التنوير" : أيضا ضرب غيره بغير حق وضربه المضروب يعزران ويبدأ
54
في إقامة التعزير بالبادي :
﴿ذالك﴾ النصر هو مبتدأ خبره قوله : ﴿ذالك بأن الله يولج اليل فى النهار ويولج النهار فى﴾ أي بسبب أن القادر على ما يشاء من التغليب وغيره من آيات قدرته البالغة الدالة على التغليب أنه يحصل ظلمة الليل في مكان ضياء النهار بتغييب الشمس وضياء النهار في مكان ظلمة الليل باطلاعها وجعلها طالعة أو يزيد في أحد الملوين ما ينقص من الآخر من الساعات.
جزء : 6 رقم الصفحة : 53