تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الراغب : المرية التردد في الأمر وهي أخص من الشك.

﴿حتى تأتيهم الساعة﴾ القيامة وقد سبق وجه

50

تسميتها بها مرارا.

﴿بغتة﴾ فجاءت على غفلة منهم.

وبالفارسية (ناكهان) ﴿أو يأتيهم عذاب يوم عقيم﴾ أصل العقم اليبس المانع من قبول الأثر والعقيم من النساء التي لا تقبل ماء الفحل والمعنى عذاب يوم لا يوم بعده كأن كل يوم يلد ما بعده من الأيام فما لا يوم بعده يكون عقيما والمراد به الساعة أيضا بشهادة ما بعد الآية من تخصيص الملك فيه بالله والحكم بين الفريقين كأنه قيل أو يأتيهم عذابها فوضع ذلك موضع ضميرها لمزيد التهويل كذا في "الإرشاد".

يقول الفقير : إن الساعة شفعت في القرآن بالعذاب الدنيوي في مواضع كثيرة كما في قوله تعالى : ﴿أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة﴾ (يوسف : 107) وفي قوله تعالى : ﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة﴾ ونحوها فالظاهر أن اليوم العقيم يوم لا يلد خيرا وليس لهم فيه فرج ولا فرح أصلا كيوم بدر ونحوه ولما كان زمان الموت آخر زمان من أزمنة الدنيا وأول زمان من أزمنة الآخرة أثبت فيه تخصيص التصرف بالله والحكم بين الفريقين في الآية الآتية من حيث اتصال زمان الموت بزمان القيامة.

﴿الملك﴾ أي : السلطان القاهر والاستيلاء التام والتصرف على الإطلاق.

وبالفارسية (ادشاهي وفرمان دهي).

﴿يومااذ﴾ يوم إذ تأتيهم الساعة أو العذاب وحده بلا شريك أصلا لا مجازا ولا حقيقة.

يعني (امروز ملوك وسلاطين دعوى سلطنت وملك داري ميكنند دران روز كمر تكبر أزميان متجبران بكشايند وتاج ازسر خسروان بربايند ودعويها منقطع وكمالها مرتفع كردد ومالك ملك رخت تخيلات وتصورات ملوك را در قعر درياي عدم أفكند ورسوم توهمات وتفكرات سلاطين را بصدمت لمن الملك اليوم درهم شكندهمه را جزا ظهار عبوديت واقرار بعجز وبياركي اره نباشد :

جزء : 6 رقم الصفحة : 50

آن سركه صيت افسرش ازرخ دركذشت

روزي برآستانة أو خاك در شود

قال الشيخ سعدي قدس سره :

همه تخت وملكي ذيرد زوال

بجز ملك فرمان ده لا يزال

قال ابن عطاء الملك على دوام الأوقات وجميع الأحوال له تعالى ولكن يكشف للعوام الملك يومئذ لإبراز القهارية والجبارية فلا يقدر أحد أن يجحد ما عاين.

﴿يحكم بينهم﴾ كأنه قيل : فماذا يصنع بهم حينئذ فقيل : يحكم بين فريقي المؤمنين بالقرآن والمجادلين فيه بالمجازاة ثم فسر هذا الحكم وفصله بقوله : ﴿فالذين ءامنوا﴾ بالقرآن ولم يجادلوا فيه ﴿وعملوا الصالحات﴾ امتثالا بما أمر في تضاعيفه ﴿فى جنات النعيم﴾ مستقرون فيها.

قال الكاشفي : (در بوستانهاي ناز ونعمت أند بي رنج ومحنت).

قال الراغب : النعيم النعمة الكثيرة : ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾ أي أصروا على ذلك واستمروا فأولئك مبتدأ خبره جملة قوله : ﴿لهم عذاب مهين﴾ ، (خوار كننده ورسوا سازنده).

قال السمرقندي : مهين يذهب بعزهم وكبرهم رأسا وبالكلية ويلحقهم من الخزي والصغار ما لا يحيط به الوصف.

قال في "الإرشاد" : ومهين صفة لعذاب مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة وإدخال الفاء في خبر الثاني دون الأول تنبيه على أن إثابة المؤمنين بطريق التفضل لا لإيجاب الأعمال الصالحة إياها وأن عقاب

51

الكافرين بسبب أعمالهم السيئة.

واعلم أن الفصل والحكومة العادلة كائن لا محالة وإن كان الكفار في شك من القرآن وما نطق به من البعث والمجازاة روي أن لقمان وعظ ابنه وقال يا بني إن كنت في شك من الموت فادفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك وإن كنت في شك من البعث فإذا نمت فادفع عن نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك فإنك إذ فكرت في هذا علمت أن نفسك بيد غيرك فإن النوم بمنزلة الموت واليقظة بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت فإذا عرف العبد مولاه قبل أمره ونال به عزة لا تنقطع أبدا وهي عزة الآخرة التي تستصغر عندها عزة الدنيا.

روي أن عابدا رأى سليمان عليه السلام في عزة الملك فقال : يا ابن داود لقد آتاك الله ملكا عظيما فقال سليمان لتسبيحة واحدة خير مما فيه سليمان فإنها تبقى وملك سليمان يفنى فإذا كانت التسبيحة الواحدة أفضل من ملك سليمان فما ظنك بتلاوة القرآن الذي هو أفضل الكتب الإلهية.

جزء : 6 رقم الصفحة : 50

قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر في "الفتوحات المكية" : يستحب لقارىء القرآن في المصحف أن يجهر بقراءته ويضع يده على الآية يتبعها فيأخذ اللسان حظه من الرفع ويأخذ البصر حظه من النظر وتأخذ اليد حقها من المس قال : وهكذا كان يتلو ثلاثة من أشياخنا منهم عبد الله بن مجاهد فعلى العاقل أن يجتهد في الوصول إلى أعالي درجات الجنان بالأذكار وتلاوة القرآن.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٦ · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٦ · ص ٣٦