إذا وعد السراء أنجز وعده
وإن أوعد الضراء فالعفو مانعه
كذا في "شرح العضد" للجلال الدواني : ثم ذكر أن لهم مع عذاب الدنيا في الآخرة عذابا طويلا وهو قوله : ﴿وإن يوما عند ربك﴾ أي : من أيام عذابهم ﴿كألف سنة مما تعدون﴾ وذلك أن لليوم مراتب فيوم كالآن وهو أدنى ما يطلق عليه الزمان فمنه يمتد الكل وهو مشار إليه بقوله تعالى : ﴿كل يوم هو فى شأن﴾ (الرحمن : 29) فالشأن الإلهي بمنزلة الروح يسري في أدوار الزمان ومراتبه سريان الروح في الأعضاء ويوم كخمسين ألف سنة وهو يوم القيامة ويوم كألف سنة وهو يوم الآخرة والخطاب للرسول ومن معه من المؤمنين كأنه قيل : كيف يستعجلون بعذاب ويوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم إما من حيث طول أيام عذابه حقيقة أو من حيث أن أيام الشدائد مستطالة كما يقال : ليل الفراق طويل وأيام الوصل قصار ويقال : سنة الوصل سنة وسنة الهجر سنة.
جزء : 6 رقم الصفحة : 46
ويوم لا أراك كألف شهر
وشهر لا أراك كألف عام
قال الحافظ :
آندم كه باتو باشم يكساله هست روزي
واندم كه بي تو باشم يك لحظه هست سالي
46
ويجوز أن يكون قوله : وإن يوما إلخ ، متعلقا بقوله : ولن يخلف إلخ والمعنى ما وعده تعالى ليصببنهم ولو بعد حين لكنه تعالى حليم صبور لا يعجل بالعذاب وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون لكمال حلمه ووقاره وتأنيه ، حتى استقصر المدد الطوال شبه المدة القصيرة عنده بالمدة الطويلة عند المخاطبين إشارة إلى أن الأيام تتساوى عنده إذ لا استعجال له في الأمور فسواء عنده يوم واحد وألف سنة ، ومن لا يجري عليه الزمان فسواء عليه وجود الزمان وعدم الزمان وقلة الزمان وكثرة الزمان إذ ليس عنده صباح ولا مساء ، وبالفارسية : (نزديك خداي تعالى يكروز برابر هزار سالست زيراكه حكم زمان بروجاري نيست س وجود وعدم وقلت وكثرت آن نزديك خداي يكسانست هركاه كه خواهد عذاب فرستد وبر استعجال زمان عقوبت هي اثري مترتب نشود.
تادر نرسد وعدة هركاركه هست
هرند كني جهد بجاني نرسد
فعلى العاقل أن يلاحظ أن كل آت قريب ولا يغتر بالإمهال فإن بطش الله شديد وعذابه لا يطاق ويسارع إلى رضى الله تعالى بامتثال أوامره والاجتناب عن نواهيه وترك الاستهزاء بالدين وأهله بأحكام الله ووعده ووعيده فإن الله صادق في قوله حكيم في فعله وليس للعبد إلا تعظيمه وتعظيم أمره.
﴿وكأين من قرية﴾ وكثير من أهل قرية﴿أمليت لها﴾ أمهلتها بتأخير العذاب كما أمهلت لهؤلاء.
﴿وهى ظالمة﴾ أي والحال أنها ظالمة مستوجبة لتعجيل العقوبة كدأب هؤلاء.
﴿ثم أخذتها﴾ بالعذاب بعد طول الإمهال : يعني (س كرفتيم ايشانرا ون توبه نكردند بعذابي سحت دردنيا).
﴿وإلى المصير﴾ أي : إلى حكمي مرجع الكل لا إلى أحد غيري لا استقلالا ولا شركة فأفعل بهم ما أفعل مما يليق بأعمالهم وفيه إشارة إلى أن الإمهال يكون من الله تعالى والإهمال لا يكون فإنه يمهل ولا يهمل ويدع الظالم في ظلمه ويوسع له الحبل ويطيل به المهل فيتوهم أنه يفلت من قبضة التقدير وذلك ظنه الذي أراد ويأخذه من حيث لا يرتقب فيعلوه ندامة ولات حينه ، وكيف يستبقى بالحيلة ما حق في التقدير عدمه وإلى الله مرجعه فالظلم من العبد سبب للأخذ من الله فلا يلومن إلا نفسه ، قال الحافظ :
توبتقصير خود افتادى ازين محروم
ازكه مي نالي وفرياد جرا ميداري
جزء : 6 رقم الصفحة : 46
﴿قل يا اأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين﴾ أنذركم إنذارا بينا بما أوحي إلي من أخبار الأمم المهلكة من غير أن يكون لي دخل في إتيان ما توعدونه من العذاب حتى يستعجلوني والاقتصار على الإنذار مع بيان حال الفريقين بعده ؛ لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين وعقابهم وإنما ذكر المؤمنون وثوابهم زيادة في غيظهم.
قال في "التأويلات النجمية" : يشير إلى إنذار أهل النسيان أي قل لهم يا محمد إني أشابهكم من حيث الصورة لكن أباينكم من حيث السيرة فأنا لمحسنكم بشير ولمسيئكم نذير وقد أيدت بإقامة البراهين ما جئتكم به من وجوه الأمر بالطاعة والإحسان والنهي عن الفجور والعصيان.
﴿فالذين ءامنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة﴾ تجاوز لذنوبهم﴿ورزق كريم﴾ نعيم الجنة : يعني (رزق بي رنج ومنت) والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله.
جزء : 6 رقم الصفحة : 46
﴿والذين سعوا﴾ أسرعوا واجتهدوا ﴿والذين سعوا﴾ في رد آياتنا وإبطالها
47