﴿أفلم يسيروا﴾ أي : كفار مكة ، أي أغفلوا فلم يسافروا ﴿فى الأرض﴾ في اليمن والشام ليروا مصارع المهلكين.
﴿فتكون لهم﴾ بسبب ما يشاهدونه من مواد الاعتبار وهو منصوب على جواب الاستفهام وهو في التحقيق منفي.
﴿قلوب يعقلون بهآ﴾ ما يجب أن يعقل من التوحيد ﴿أو ءاذان يسمعون بها﴾ ما يجب أن يسمع من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس فإنهم أعرف منهم بحالهم وهم وإن كانوا قد سافروا فيها ولكنهم حيث لم يسافروا للاعتبار جعلوا غير مسافرين فحثوا على ذلك فالاستفهام للإنكار.
﴿فإنها﴾ أي القصة وبالفارسية (س قصه اينست) ﴿لا تعمى الابصار ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور﴾ أي : ليس الخلل في مشاعرهم وإنما هو في عقولهم باتباع الهوى والانهماك في الغفلة ، وبالفارسية (نابينا نشود ديدهاي حس يعني در مشاعر ايشان خلل نيست همه يز مي بينند ولكن نابينا شود از مشاهدة اعتبار آن دلها كه هست درسينها يعني ثم دل إيشان وشيده است ازمشاهدة أحوال كذشتكان لا جرم بدان عبرتي نمى كيرند) ولا يعتد بعمى الأبصار فكأنه ليس بعمى بالإضافة إلى عمى القلوب والعمى يقال في افتقاد البصر وافتقاد البصيرة وذكر الصدور للتأكيد ونفي التجوز قصدا للتنبيه على أن العمى الحقيقي ليس المتعارف الذي يختص بالبصر ، وفي الحديث : "ما من عبد إلا وله أربع أعين عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه ، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه" ، وأكثر الناس عميان بصر القلب لا يبصرون به أمر دينهم.
شم دل بكشاببين بي انتظار
هر طرف آيات قدرت آشكار
شم سر جزوست خود يزي نديد
شم سردر مغز هريزي رسيد
قال في "حقائق البقلي" : قدس سره : الجهال يرون الأشياء بأبصار الظاهر وقلوبهم محجوبة عن رؤية حقائق الأشياء التي هي تابعة أنوار الذات والصفات أعماهم الله بغشاوة الغفلة وغطاء الشهوة.
قال سهل : اليسير من نور بصر القلب يغلب الهوى والشهوة فإذا عمي بصر القلب عما فيه غلبت الشهوة وتواترت الغفلة فعند ذلك يصير البدن متخبطا في المعاصي غير منقاد للحق بحال.
وفي "التأويلات النجمية" : في الآية إشارة إلى أن العقل الحقيقي إنما يكون من نتائج صفاء القلب بعد تصفية حواسه عن العمى والصمم فإذا صح وصف القلوب بالسمع والبصر صح وصفها بسائر صفات الحي من وجوه الإدراكات فكما تبصر القلوب بنور اليقين تدرك نسيم الإقبال بمشام السر وفي الخبر : "إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن" وقال تعالى خبرا عن يعقوب عليه السلام : ﴿إنى لاجد ريح يوسف﴾ (يوسف : 94) وما كان ذلك إلا بإدراك السرائر دون اشتمام ريح في الظاهر فعلى
45
العاقل أن يجتهد في تصفية الباطن وتجلية القلب وكشف الغطاء عنه بكثرة ذكر الله تعالى وعن مالك بن أنس رضي الله عنه بلغني أن عيسى بن مريم عليهما السلام قال : "لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسو قلوبكم والقلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون".
جزء : 6 رقم الصفحة : 42
وقال مالك بن دينار من لم يأنس بحديث الله عن حديث المخلوقين فقد قل عمله وعمى قلبه وضاع عمره ، وفي الحديث : "لكل شيء صقالة وصقالة القلب ذكر الله".
وقال أبو عبد الله الأنطاكي : دواء القلب خمسة أشياء : مجالسة الصالحين وقراءة القرآن وإخلاء البطن وقيام الليل والتضرع عند الصبح كذا في "تنبيه الغافلين".
جزء : 6 رقم الصفحة : 42
﴿ويستعجلونك بالعذاب﴾ كانوا يقولون له عليه السلام ائتنا بما وعدتنا إن كنت من الصادقين : والمعنى بالفارسية (وبشتاب ميخواهند ازتوكافران مكة ون نضر بن حارث وإضراب أو يعني تعجيل مينمايند بطريق استهزاء وتعجيز بنزول عذاب موعود).
قال في "التأويلات النجمية" : يشير إلى عدم تصديقهم كما قال تعالى : ﴿يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها﴾ (الشورى : 18) ولو آمنوا لصدقوا ولو صدقوا لسكتوا عن الاستعجال وهو طلب الشيء وتحريه قبل أوانه.
﴿ولن يخلف الله وعده﴾ أبدأ وقد سبق الوعد فلابد من مجيئه حتما وقد أنجز الله ذلك يوم بدر.
قال في "التأويلات النجمية" : فيه إشارة إلى أن الخلف في وعيد الكفار لا يجوز كما أن الخلف في الوعد للمؤمنين لا يجوز الخلف في وعيد المؤمنين لأنه سبقت رحمة الله غضبه في حق المؤمنين ووعدهم بالمغفرة بقوله : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذالك لمن يشآء﴾ (النساء : 48) وبقوله : ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ (الزمر : 53) انتهى وأحسن يحيى بن معاذ في هذا المعنى حيث قال الوعد والوعيد حق فالوعد حق العباد على الله ضمن لهم إذا فعلوا ذلك أن يعطيهم كذا ومن أولى بالوفاء من الله والوعيد حقه على العباد قال لا تفعلوا كذا فأعذبكم ففعلوا فإن شاء عفا وأن شاء أخذ لأنه حقه وأولاهما العفو والكرم لأنه غفور رحيم.
قال السري الموصلي :