تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن الخيانة والنفاق واحد لأن الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة والنفاق يقال اعتبارا بالدين ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر ونقيض الخيانة الأمانة ومن الخيانة الكفر فإنه إهلاك للنفس التي هي أمانة الله عند الإنسان وتجري في الأعضاء كلها قال تعالى : ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مساولا﴾ (الإسراء : 36) ويجري في الصلاة والصوم ونحوهما إما بتركها أو بترك شرط من شرائطها الظاهرة والباطنة فأكل السحور مع غلبة الظن بطلوع الفجر أو الإفطار مع الشك بالغروب خيانة للصوم ومن أكل السحور فنام عن صلاة الصبح حتى طلع الشمس فقد كفر بنعمة الله التي هي السحور وخانه بالصلاة أيضا فترك الفرض من أجل السنة تجارة خاسرة.

روي : أن واحدا

37

ضاع له تسعة دراهم فقال من وجدهم وبشرني فله عشرة دراهم فقيل له في ذلك فقال : إن في الوجدان لذة لا تعرفونها أنتم فأهل الغفلة وجدوا في المنام لذة هي أفضل عندهم من ألف صلاة نعوذ بالله تعالى.

جزء : 6 رقم الصفحة : 37

ومن الخيانة النقص في المكيال والميزان.

حكي : أنه احتضر رجل فإذا هو يقول جبلين من نار جبلين من نار فسئل أهله عن عمله فقالوا كان له مكيالان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخرة.

ومن الخيانة التسبب إلى الخيانة.

وكتب رجل إلى الصاحب بن عباد أن فلانا مات وترك عشرة آلاف دينار ولم يخلف إلا بنتا واحدة فكتب على ظهر المكتوب النصف للبنت والباقي يرد عليها وعلى الساعي ألف ألف لعنة.

ثم إن المؤمن الكامل منصور على كل حال فلا يضره كيد الخائنين فإن الله لا يحب الخائنين فإذا لم يحبهم لم ينصرهم ويحب المؤمن فينصره.

وفي الآية إشارة إلى أن الله تعالى يدافع خيانة النفس وهواها عن المؤمنين وأن مدافعة النفس وهواها عن أهل الإيمان إنما كان لإزالة الخيانة وكفران النعمة لأنه لا يحب المتصفين بها وأنه يحب المؤمنين المخلصين عنها فالآية تنبيه على إصلاح النفس الأمارة وتخليصها عن الأوصاف الرذيلة.

وجود تو شهريست رنيك وبد

تو سلطان ودستور دانا خرد

هما نا كه دونان كردن فراز

درين شهر كبرست وسود او آز

وسلطان عنايت كند بابدان

كجا ماند آسايش بخردان

قال الله تعالى :

﴿أذن﴾ الأذن في الشيء إعلام بإجازته والرخصة فيه والمأذون فيه محذوف ، أي رخص في القتال.

﴿للذين﴾ للمؤمنين الذين ﴿يقاتلون﴾ بفتح التاء على صيغة المجهول ، أي يقاتلهم المشركون.

﴿بأنهم ظلموا﴾ أي : بسبب أنهم ظلموا وهم أصحاب النبي عليه السلام كان المشركون يؤذونهم وكانوا يأتونه عليه السلام بين مضروب ومشجوج ويتظلمون إليه فيقول عليه السلام لهم : "اصبروا فإني لم أومر بالقتال" حتى هاجروا فنزلت وهي أول آية نزلت في القتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية ﴿وإن الله على نصرهم لقدير﴾ وعد للمؤمنين بالنصر والتغليب على المشركين بعدما وعد بدفع أذاهم وتخليصهم من أيديهم.

قال الراغب : القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل ما وإذا وصف الله بها فنفى للعجز عنه ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة معنى وإن أطلقت عليه لفظا بل حقه أن يقال قادر على كذا ومتى قيل : هو قادر فعلى سبيل معنى التقييد ولهذا لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه والله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كل وجه والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه ولذلك لا يصح أن يوصف به غير الله تعالى.

جزء : 6 رقم الصفحة : 37

تعالى الله زهى قيوم ودانا

توانايي ده هر ناتوانا

وفي الآية إشارة إلى أن قتال الكفار بغير أذن الله لا يجوز ولهذا لما وكز موسى عليه السلام القبطي الكافر وقتله قال هذا من عمل الشيطان لأنه ما كان مأذونا من الله في ذلك وبهذا المعنى يشير إلى أن الصلاح في قتال كافر النفس وجهاده أن يكون بإذن الله على وفق الشرع وأوانه وهو بعد البلوغ فإن قبل البلوغ تحلى المجاهدة باستكمال الشخص الإنساني الذي هو حامل

38

أعباء الشريعة ولهذا لم يكن مكلفا قبل البلوغ وينبغي أن تكون المجاهدة محفوظة عن طرفي التفريط والإفراط بل يكون على حسب ظلم النفس على القلب باستيلائها عليه فيما يضره من اشتغالها بمخالفة الشريعة وموافقة الطبيعة في استيفاء حظوظها وشهواتها من ملاذ الدنيا فإن منها يتولد رين مرآة القلب وقسوته واسوداده وإن ارتاضت النفس ونزلت عن ذميم صفاتها وانقادت للشريعة وتركت طبعها واطمأنت إلى ذكر الله واستعدت لقبول جذبة ارجعي إلى ربك راضية مرضية تصان من فرط المجاهدة ولكن لا يؤمن مكر الله المودع في مكر النفس وآخر الآية يشير إلى أن الإنسان لا يقدر على النفس وتزكيتها بالجهاد المعتدل إلا بنصر الله تعالى.

ورويي بخدكت نهى بر زمين

خدارا ثنا كوى وخودرا مبين

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٦ · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٦ · ص ٢٦