تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال بعض الكبار : إن الله لما أظهر الصنائع وعرضها عل الخلق في الأزل اختار كل منهم صنيعة وقال طائفة ما أعجبنا شيء فأظهر الله لهم العبادة ومقامات الأولياء فقالوا : قد اخترنا خدمتك فقال : لأسخرنهم لكم ولأجعلنهم خداما لكم واشفعنكم فيمن خدمكم وعرفكم.

قال الشيخ أبو الحسن : سمعت وصف ولي في جبل فبت عند باب صومعته ليلة فسمعته يقول : إلهي إن بعض عبادك طلب منك تسخير الخلق فأعطيته مراده وأنا أريد منك أن لا يحسنوا معاملتهم معي حتى لا ألتجىء إلا إلى حضرتك قال : فلما أصبحت سألت عن ذلك فقال : يا ولدي قل اللهم كن لي مكان قولك اللهم سخر لي فإذا كان الله لك فلا تحتاج إلى شيء أبدا فلا بد من الاجتهاد في طريق الطلب والجد في الدعاء إلى حصول المطلب.

قال المولى الجامي :

بي طلب نتوأن وصالت يافت آري كي دهد

دولت حج دست جزراه بيابان برده را

جزء : 6 رقم الصفحة : 32

﴿والبدن﴾ منصوب بمضمر يفسره ما بعده كقوله تعالى : ﴿والقمر قدرناه﴾ (يس : 39) جمع بدنة وهي الإبل والبقر مما يجوز في الهدي والأضاحي سميت بها لعظم بدنها.

قال في "بحر العلوم" : البدنة في اللغة من الإبل خاصة وتقع على الذكر والأنثى وأما في الشريعة فللإبل والبقر لاشتراكهما في البدانة ولذا ألحق عليه السلام البقر بالإبل في الإجزاء عن السبعة.

وفي "القاموس" : البدنة محركة من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم تهدى إلى مكة للذكر والأنثى.

قال الكاشفي : (وشتران وكاوان كه براي هدى رانده) ﴿جعلناها لكم من شعائر الله﴾ أي : من أعلام دينه التي شرعها الله مفعول ثان للجعل ولكم ظرف لغو متعلق به وأضيف الشعائر إلى اسم الله تعظيما لها كبيت الله فإن المضاف إلى العظيم عظيم وقد سبق معنى الشعائر.

وبالفارسية (ساختيم آنها يعني كشتن آنها شمارا از نشانهاي دين خدايرا تعالى) ﴿لكم فيها﴾ في البدن ﴿خير﴾ نفع كثير في الدنيا وأجر عظيم في العقبى.

وفيه إشارة إلى قربان بهيمة النفس عند كعبة القلب وأنه من أعلام الدين وشعار أهل الصدق في الطلب وأن الخير في قربانها وذبحها بسكين الصدق.

ظاهرش مرك وبباطن زنده كي

ظاهرش ابترنهان ايندكي

﴿فاذكروا اسم الله عليها﴾ بأن تقولوا عند ذبحها "الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك" أي : هي عطاء منك ونتقرب بها إليك ﴿صوآف﴾ كناية عن كونها قائمات لأن قيام الإبل يستلزم أن تصف أيديها وأرجلها جمع صافة.

والمعنى حال كونها قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن معقولة الأيدي اليسرى.

جزء : 6 رقم الصفحة : 35

والآية دلت على أن الإبل تنحر قائمة كما قال الكاشفي : (صواف درحالتي كه براي ايستاده باشند وشتررا ايستاده ذبح كردن سنت است).

﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ يقال : وجب الحائط يجب وجبة إذا سقط.

قال في "التهذيب" : الوجب (بيفتادن ديوار) وغيره والمعنى سقطت على الأرض وهو كناية عن الموت.

قال الكاشفي : (س ون بيفتد برزمين هلو هاي مذبوحان وروح ازايشان بيرون رود) ﴿فكلوا منها﴾ أي من لحومها أن لم يكن دم الجناية والكفارة والنذر كما سبق والأمر

35

للإباحة ﴿وأطعموا﴾ الأمر للوجوب ﴿القانع﴾ أي الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسألة ﴿والمعتر﴾ الاعترار التعرض للسؤال من غير أن يسأل كما قال في "القاموس" : المعتر الفقير المعترض للمعروف من غير أن يسأل انتهى يقال : اعتره وعررت بك حاجتي والعر الجرب الذي يعر البدن أي يعترضه.

قال الكاشفي : (درزاد المسير آورده كه قانع فقير مكة است ومعتء درويش آفاقي) ﴿كذالك﴾ مثل ذلك التسخير البديع المفهوم من قوله صواف.

﴿سخرناها لكم﴾ ذللناها لمنافعكم : وبالفارسية (رام كردانيم) مع كمال عظمها ونهاية قوتها فلا تستعصي عليكم حتى تأخذونها منقادة فتعقلونها وتحسبونها صافة قوائمها ثم تطعنون في لباتها أي مناحرها من الصدور ولولا تسخير الله لم تطق ولم تكن أعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر منها جرما وأقل قوة.

﴿لعلكم تشكرون﴾ لتشكروا إنعامنا عليكم بالتقرب والإخلاص ولما كان أهل الجاهلية ينضحون البيت أي الكعبة بدماء قرابينهم ويشرحون اللحم ويضعونه حوله زاعمين ذلك قربة قال تعالى نهيا للمسلمين ﴿لن ينال الله﴾ لن يصيب ويبلغ ويدرك رضاه ولا يكون مقبولا عنده.

﴿لحومها﴾ المأكولة والمتصدق بها ﴿ولا دمآؤها﴾ المهراقة بالنحر من حيث أنها لحوم ودماء ﴿ولاكن يناله التقوى منكم﴾ وهو قصد الائتمار وطلب الرضى والاحتراز عن الحرام والشبهة.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٦ · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٦ · ص ٢٤