تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفائدة وصف المسجد الحرام بذلك زيادة تشنيع الصادين عنه وخبر إن محذوف أي معذبون كما يدل عليه آخر الآية ﴿ومن﴾ (وهركه) ﴿يرد﴾ مرادا ما ﴿فيه﴾ (درحرم) ﴿بإلحادا بظلم﴾ حالان مترادفان أي حال كونه مائلا عن القصد ظالما وحقيقته ملتبسا بظلم فالباء للملابسة والإلحاد الميل.

قال الراغب : ألحد فلان مال عن الحق والإلحاد ضربان إلحاد إلى الشرك بالله وإلحاد إلى الشرك بالأسباب فالأول ينافي الإيمان ويبطله والثاني يوهن عراه ولا يبطله ومن هذا النحو الآية ﴿نذقه من عذاب أليم﴾ جواب من يعني يجب على من كان فيه أن يعدل في جميع ما يريده والمراد بالإلحاد والظلم صيد حمامه وقطع شجره ودخوله غير محرم وجميع المعاصي حتى قيل : شتم الخادم لأن السيئات تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات : يعني (ون مكة محترمة مخصوصيت بتضاعف حسنات ونمازي درو باندين نماز در غير او برابراست س جزاي مساوي نيزدروكلي ترست ازسائر مواضع).

ولحرمة المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الأقصى قال الفقهاء : لو نذر أن يصلي في أحد هذه الثلاثة تعين بخلاف سائر المساجد فإن من نذر أن يصلي في أحدها له أن يصلي في آخر.

قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر اعلم أن الله تعالى قد عفا عن جميع الخواطر التي لا تستقر عندنا إلا بمكة لأن الشرع قد ورد أن الله يؤاخذ فيه من يريد فيه بإلحاد وبظلم وهذا كان سبب سكنى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بالطائف احتياطا لنفيه لأنه ليس في قدرة الإنسان أن يدفع عن قلبه الخواطر انتهى.

وفي الآية إشارات منه : أن من حال النفوس المتمردة والأرواح المرتدة مع إنكارهم وإعراضهم عن الحق يصدون الطالبين عن طريق الله بالإنكار والاعتراضات الفاسدة على المشايخ ويقطعون الطريق على أهل الطلب ليردوهم عن طلب الحق وعن دخول مسجد حرم القلب فإنه حرم الله تعالى ، قال الحافظ :

در راه عشق وسوسة اهرمن بسيست

هش دارو كوش دل به يام سروش كن

وفي "المثنوي" :

س عدو جان صرافست قلب

دشمن درويش كه بود غير كلب

مغزرا خالي كن از انكار يار

تاكه ريحان يابد ازكلزار يار

ومنها : أنه يستوي في الوصول إلى مقام القلب الذي سبق إليه بمدة طويلة والذي يصل إليه في الحال ليس لأحد فضل على الآخر إلا بالسبق إلى مقامات القلب.

جزء : 6 رقم الصفحة : 20

قال في "الحقائق" : المقيم بقلبه هناك من أول عمره إلى آخره والطارىء لحظة من المكاشفين والمشاهدين ينكشف له ما انكشف للمقيمين لأنه وهاب كريم يعطي للنائب من المعاصي ما يعطي المطيع المقيم في طاعته طول عمره.

قال الحافظ :

22

فيض روح القدس ار باز مدد فرمايد

دكران هم بكنند رنجه مسيحا ميكرد

وقد قال بعضهم أمسيت كرديا وأصبحت عربيا.

ومنها : أن من أراد في القلب ميلانا إلى غير الحق يذيقه الله عذاب أليم البعد والقطيعة عن الحضرة فالقلب معدن محبة الله ووضع محبة غيره فيه ظلم.

قال الشيخ سعدي قدس سره :

دلم خانة مهرياريت وس

ازان مي نكنجد دروكين كس

قال الخجندي :

بادوست كزين كمال يا جان

يك خانه دوميهمان نكنجد

فلا يسع القلب غير محبة الله تعالى وعشقه وتوجهه.

﴿وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت﴾ يقال : بوأه منزلا أي أنزله فيه.

والمعنى اذكر وقت جعلنا مكان البيت ، أي الكعبة مباءة له عليه السلام أي مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة.

وفي "الجلالين" : بينا له أن يبني.

روي أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات.

إحداها : بناء الملائكة إياها قبل آدم وكانت من ياقوتة حمراء ثم رفعت الى السماء أيام الطوفان.

والثانية : بناء إبراهيم روي أن الله تعالى لما أمر إبراهيم ببناء البيت لم يدر أين يبني فأعلمه الله مكانه بريح أرسلها يقال لها الخجوج كنست ما حوله فبناه على القديم.

وقال الكلبي بعث الله سحابة على قدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم يا إبراهيم بن علي قدري فبنى عليه.

والمرة الثالثة : بناء قريش في الجاهلية وقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البناء وكان يومئذ رجلا شابا فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فأراد كل قبيلة أن تتولى رفعه ثم توافقوا على أن يحكم بينهم أول رجل يخرج من هذه السكة فكان عليه السلام أول من خرج فقضى بينهم أن يجعلوه في مرط ثم يرفعه جميع القبائل كلهم فرفعوه ثم ارتقى هو عليه السلام فرفعوه إليه فوضعه في مكانه وكانوا يدعونه الأمين قيل : كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة.

والمرة الرابعة : بناء عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٦ · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٦ · ص ١٥