تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأعشار كفار والواحد مؤمنون ثم المؤمنون عشرة فتسعة عصاة وواحد مطيعون ثم المطيعون عشرة فتسعة أهل الزهد وواحد أهل العشق ثم أهل العشق عشرة فتسعة أهل البرزخ والفرقة وواحد أهل المنزل والوصلة فهو أعز من الكبريت الأحمر والمسك الأذفر وهو الذي أكرمه الله بكرامة لم يكرم بها أحدا من العالمين فلو أن أهل العالم اجتمعوا على إهانته ما قدروا إذ له العز الحقيقي لأنه أذل نفسه بالفناء في الله وهو مقام السجود الحقيقي فاعزه الله ورفعه ألا ترى إلى قوله : "من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة" أي من أغضب وآذى وأهان واحدا من أوليائي فقد ظهر وخرج بالمحاربة لي والله ينصر أولياءه فيكون المبارز مقهورا مهانا بحيث لا يوجد له ناصر ومكرم.

جزء : 6 رقم الصفحة : 16

أهل حق هركز نمى باشد مهان

أهل باطل خوار باشد درجهان

﴿هاذان﴾ أي : فريق المؤمنين وفريق الكفرة المنقسم إلى الفرق الخمس ﴿خصمان﴾ أي : فريقان مختصمان.

﴿اختصموا﴾ (جنك كردند وجدل نمودند) ﴿فى ربهم﴾ في شأنه أو في دينه أو في ذاته وصفاته والكل من شؤونه فإن اعتقاد كل من الفريقين بحقية ما هو عليه وبطلان ما عليه صاحبه وبناء أقواله وأفعاله عليه خصوصة للفريق الآخر وإن لم يجر بينهما التحاور والخصام.

أهل دين حق وأنواع ملل

مختصم شد بي زبان اندر علل

﴿فالذين كفروا﴾ تفصيل لما أجمل في قوله يفصل بينهم يوم القيامة ﴿قطعت لهم﴾ التقطيع (اره اره كردن) والمراد هنا قدرت على مقادير جثتهم ﴿ثياب من نار﴾ أي نيران هائلة تحيط بهم إحاطة الثياب بلابسها ﴿يصب﴾ (يخته ميشود) صب الماء إراقته من أعلى ﴿من فوق رءوسهم الحميم﴾ أي الماء الحار الذي انتهت حرارته لو قطرت قطرة منه على جبال الدنيا لأذابتها.

قال الراغب : الحميم الماء الشديد الحرارة وسمي العرق حميما على التشبيه واستحم الفرس عرق وسمي الحمام إما لأنه يعرق وإما لما فيه من الماء الحار والحمى سميت بذلك إما لما فيها من الحرارة المفرطة وإما لما يعرض فيها من الحميم أي العرق وإما لكونها من إمارات الحمام أي : الموت.

جزء : 6 رقم الصفحة : 16

﴿يصهر به﴾ (كداخته شود) أي يذاب بذلك الحميم من فرط الحرارة يقال صهرت الشيء فانصهر أي أذبته فذاب فهو صهير والصهر إذابة الشيء والصهارة ما ذاب منه.

﴿ما فى بطونهم﴾ من الأمعاء والأحشاء.

﴿والجلود﴾ تشوى جلودهم فتتساقط عطف على ما وتأخيره عنه لمراعاة الفواصل أي إذا صب الحميم على رؤوسهم يؤثر من فرط حرارته في باطنهم نحو تأثيره في ظاهرهم فيذاب به أحشاؤهم كما يذاب به جلودهم ثم يعاد كما كان.

﴿ولهم﴾ للكفرة أي لتعذيبهم وجلدهم ﴿مقامع من حديد﴾ (كرزها باشد دردست زبانية ازآهن) جمع مقمعة وهي آلة القمع.

قال في "بحر العلوم" : سياط منه يجلدون بها وحقيقتها ما يقمع به أي يكف بعنف وفي الحديث (لو وضعت مقمعة منها في الأرض فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها منها) أي رفعوها ﴿كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها﴾ أي أشرفوا على الخروج من النار ودنوا منه حسبما يروى أنها تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا

18

في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا وهو من ذكر البعض وإرادة الكل إذ الخريف آخر الفصول الأربعة.

﴿من غم﴾ أي : غم شديد من غمومها يصيبهم وهو بدل اشتمال من الهاء.

﴿أعيدوا فيها﴾ أي في قعرها بأن ردوا من أعلاها إلى أسفلها من غير أن يخرجوا منها.

قال الكاشفي : (بازكردانيده شوندبدان كرزها دردوزخ يعني ون بكنازة دوزخ وسيده بخروج نزديك شوندزبانيه كرزبرسر ايشان ميزند وبازمي كرداند لدركات).

قيل لهم : ﴿ذوقوا﴾ (بشيد) ﴿عذاب الحريق﴾ (عذاب آتش سوزنده) أو العذاب المحرق كما سبق والعدول إلى صيغة الفعيل للمبالغة.

قال في "التأويلات النجمية" : ﴿فالذين كفروا﴾ من أرباب النفس بانقطاعهم عن الله ودينه وباتباعهم الهوى وطلب الشهوات الدنيوية ومن أصحاب الروح بإعراضهم عن الله ورد دعوة الأنبياء.

﴿قطعت لهم ثياب من نار﴾ بتقطيع خياط القضاء على قد هم وهي ثياب نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبع.

﴿يصب من فوق رءوسهم الحميم﴾ حميم الشهوات النفسانية يذاب ويخرج ما في قلوبهم من الأخلاق الحميدة الروحانية.

﴿ولهم مقامع من حديد﴾ أي الأخلاق الذميمة واستيلاء الحرص والأمل وقيل لهم ذوقوا عذاب ما أحرقت منكم نار الشهوات من الاستعدادات الحسنة انتهى.

جزء : 6 رقم الصفحة : 18

إن قيل : نار جهنم خير أم شر.

قلنا : ليست هي بخير ولا بشر ، بل عذاب وحكمة.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٦ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٦ · ص ١٢