واعلم أن الإيمان والكفر أوصاف القلب وللقلب بابان علوي وسفلي فالعلوي يتصل إلى الروح والسفلي إلى النفس فإذا انسد الباب السفلي بالمخالفة إلى النفس ينفتح الباب العلوي فتنصب المعارف الإلهية من الروح إلى القلب فيكون القلب منورا بأنوار المعرفة ويتخلص من الحجب النفسانية ، وإذا انسد الباب العلوي بسبب الاتباع إلى النفس ينفتح الباب السفلي فتظهر في القلب الوساوس الشيطانية وكل بدعة وهوى والدين الباطل إنما يحصل من النفس والشيطان فمن اتبع هوى النفس ووساوس الشيطان ضل عن طريق الحق والدين المبين واتخذ إلهه هواه فإن الله تعالى يفصل بينه وبين المهتدي ، فإنه كما أن الإيمان والكفر لا يجتمعان في قلب فكذا أهلهما لا يجتمعون في دار والبرزخ الفاصل بينهم وإن كان موجودا الآن على ما عرفه أهل المعرفة لكنه معنوي فإذا كان يوم القيامة يصير صوريا حسيا.
جزء : 6 رقم الصفحة : 14
﴿ألم تر﴾ ألم تعلم يا من من شأنه العلم.
﴿أن الله يسجد له من فى السماوات ومن فى الأرض﴾ أي : ينقاد لتدبيره ومشيئته الملائكة والجن والإنس مطيعا أو عاصيا وذلك لأن السجود إما سجود باختيار وهو للإنسان وبه يستحق الثواب وإما سجود تسخير وهو للإنسان والحيوان والنبات شبه الانقياد بأكمل أفعال المكلف في باب الطاعة وهو السجود إيذانا بكمال التسخير والتذلل وإنما حمل على المعنى المجازي إذ ليس في كفرة الإنس ومردة الجن والشياطين وسائر الحيوانات والجمادات سجود طاعة وعبادة وهو وضع الجبهة على الأرض خصوصا
16
تعالى.
﴿والشمس والقمر والنجوم﴾ بالسير والطلوع والغروب لمنافع العباد ﴿والجبال﴾ بإجراء الينابيع وإنبات المعادن.
﴿والشجر﴾ بالظل وحمل الثمار ونحوها ﴿والدوآب﴾ (هار ايان) أي : بعجائب التركيب ونحوها فكل شيء ينقاد له سبحانه على ما خلقه وعلى ما رزقه وعلى ما أصحه وعلى ما أسقمه فالبر والفاجر والمؤمن والكافر في هذا سواء ﴿وكثير من الناس﴾ أي : ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة فهو مرتفع بمحذوف لا بالمذكور وإلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قال في "التأويلات" : أهل العرفان يسجدون سجود عبادة بالإرادة والجماد وما لا يعقل ومن لا يدين يسجدون سجود خضوع للحاجة.
قال الكاشفي : (همه ذرات عالم مرخدايرا خاضع وخاشعند بدلالت حال كه افصح است ازدلالت مقال).
درنكر تابيني ازعين شهود
جملة ذرات جهانرادر سجود
﴿وكثير﴾ من الناس ﴿حق﴾ ثبت ﴿عليه العذاب﴾ بسبب كفره وإبائه عن الطاعة.
جزء : 6 رقم الصفحة : 16
قال الكاشفي : (اين سجدة ششم است باتفاق علما ازسجدات قرآن.
درفتوحات اين را سجدة مشاهد واعتبار كفته اندكه ازهمه اشياغير آدميانرا تبعيض نكرد س بنده بايدكه مبادرت نمايد بسجدة تا از كثير أول باشد كه ازاهل سجده واقترابندنه از كثير ثاني مستحق عذاب وعقابند).
ذوق سجده وطاعتي يش خدا
خوشتر باثيد زصد دولت ترا
يقول الفقير : الكثير الأول كثير في نفسه بالنسبة إلى الكثير الثاني إذ أهل الجمال أقل من أهل الجلال هو الواحد من الألف وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن الواحد على الحق هو السواد الأعظم وعن بعضهم : قليل إذا عدوا كثير إذا شدوا أي أظهروا الشدة.
﴿ومن﴾ (وهر كرا) ﴿يهن الله﴾ يهنه الله : بالفارسية(خوار كرداند) بأن كتب عليه الشقاوة في الأزل حسبما علمه من صرف اختياره إلى الشر ﴿فما له من مكرم﴾ يكرمه بالسعادة إلى الأبد ﴿إن الله يفعل ما يشآء﴾ من الإكرام والإهانة من الأزل إلى الأبد.
قال الإمام النيسابوري رحمه الله في "كشف الأسرار" : جعل الله الكفار أكثر من المؤمنين ليريهم أنه مستغن عن طاعتهم كما قال : (خلقت الخلق ليربحوا علي لا لأربح عليهم) وقيل ليظهر عز المؤمنين فيما بين ذلك لأن الأشياء تعرف بأضدادها والشيء إذا قل وجوده عز ألا ترى أن المعدن لعزته صار مظهرا للاسم العزيز وقيل : ليرى الحبيب قدرته بحفظه بين أعدائه الكثيرة كما حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واحد وأهل الأرض أعداد كله ليتبين أن النصر من عند الله والقليل يغلب الكثير يعونه وعنايته ومن أكرمه بالغلبة لا يهان بالخذلان البتة.
فإن قيل : إن رحمته سبقت وغلبت غضبه فيقتضي الأمر أن يكون أهل الرحمة أكثر من أهل الغضب وأهل الغضب تسع وتسعون من كل ألف واحد يؤخذ للجنة كما ورد في الصحيح ، وورد : (أهل الرحمة كشعرة بيضاء في جلد الثور الأسود).
قلنا هذه الكثرة بالنسبة إلى بني آدم وأما أهل الرحمة بالنسبة إليهم وإلى الملائكة والحور والغلمان فأكثر من أهل الغضب والتحقيق أن المقصود من النشآت كلها ظهور الإنسان الكامل وهو واحد كالألف فالناس عشرة أجزاء فتسعة
17