نسأل الله سبحانه أن يحفظ نور إيماننا وشمع اعتقادنا من صرصر الزوال ويثبت أقدامنا بالقول الثابت في جميع الأوقات وعلى كل حال.
﴿وإن عاقبتم﴾ أي : أردتم المعاقبة على طريقة قول الطبيب للمحمي إن أكلت فكل قليلا ﴿فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ أي : بمثل ما فعل بكم وقد عبر عنه بالعقاب على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب نحو كما تدين تدان أي : كما تفعل تجازي سمي الفعل المجازي عليه باسم الجزاء على الطريقة المذكورة أو على نهج المشاكلة والمزاوجة يعني تسمية الأذى الابتدائي معاقبة من باب المشاكلة وإلا فإنها في وضعها الأصل تستدعي أن تكون عقيب فعل نعم العرف جار على إطلاقها على ما يعذب به أحد وإن لم يكن جزاء فعل كما في "حواشي" سعدى المفتي.
قال القرطبي أطبق جمهور أهل التفسير أن هذا الآية مدنية نزلت في شأن سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وجدعوا أنوفهم وآذانهم وقطعوا مذاكيرهم ما بقي أحد غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب لأن أباه عامر الراهب كان مع أبي سفيان فتركوه لذلك ولما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله عليه الصلاة والسلام فرأى منظرا ساءه رأى حمزة قد شق بطنه واصطلم أنفه وجدعت أذناه ولم ير شيئا كان أوجع لقلبه منه فقال : "رحمة الله عليك كنت وصولا
99
للرحم فعالا للخير لولا أن تحزن النساء أو يكون سنة بعدي لتركتك حتى يبعثك الله من بطون السباع والطير أما والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك" وقال المؤمنون : إن أظهرنا الله عليهم لنزيدن على صنعهم ولنمثلن مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط ولنفعلن ثم دعا عليه السلام ببردته فغطى بها وجه حمزة فخرجت رجلاه فجعل على رجليه شيئا من الإذخر ثم قدمه فكبر عليه عشرا ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة وكان القتلى سبعين.
وفي "التبيان" صلى النبي عليه السلام على عمه حمزة سبعين تكبيرة أو صلاة انتهى.
جزء : 5 رقم الصفحة : 95
روي أن أبا بكر رضي الله عنه صلى على فاطمة رضي الله عنها وكبر أربعا ، وهذا أحد ما استدل به فقهاء الحنفية على تكبيرات الجنازة أربع كما في "أنوار المشارق".
قال في "أسباب النزول" ما حاصله : أن حمزة رضي الله عنه قتله وحشى الحبشي وكان غلاما لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر فلما سارت قريش إلى أحد قال له جبير إن قتلت حمزة عم محمد لعمي طعيمة فأنت عتيق فأخذ الوحشي حربته فقذفه بها وكانت لا تخطىء حربة الحبشة حين قذفوا فكان ما كان ثم أسلم الوحشي وقال له صلى الله عليه وسلم "هل تستطيع أن تغيب عني وجهك" وذلك أنه عليه السلام كرهه لقتله حمزة فخرج فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج الناس إلى مسيلمة الكذاب قال الوحشي لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافىء به حمزة فخرج مع الناس فوفقه الله لقتله.
ثم إن القتلى لما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية فكفر عليه السلام عن يمينه وكفه عما أراده والأمر وإن دل على إباحة المماثلة في المثلة من غير تجاوز لكن في تقييده بقوله : ﴿وإن عاقبتم﴾ حث على العفو تعريضا.
قال في "بحر العلوم" لا خلاف في تحريم المثلة وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى الكلب العقور ﴿ولاان صبرتم﴾ أي : عن المعاقبة بالمثل وعفوتم وهو تصريح بما علم تعريضا ﴿لهو﴾ أي : لصبركم هذا ﴿خير﴾ لكم من الانتصار بالمعاقبة أي : العفو خير للعافين من الانتقام وإنما قيل : ﴿للصابرين﴾ مدحا لهم وثناء عليهم بالصبر وعند ذلك قال صلى الله عليه وسلم "بل نصبر يا رب".
قال في "الخلاصة" : رجل قال لآخر يا خبيث هل يقول له بلى أنت الأحسن أن يكف عنه ولا يجيب ولو رفع الأمر إلى القاضي ليؤدبه يجوز ومع هذا لو أجاب لا بأس به.
وفي "مجمع الفتاوى" لو قال لغيره يا خبيث فجازاه بمثله جاز لأنه انتصار بعد الظلم وذلك مأذون فيه قال الله تعالى : ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ (الشورى : 41) والعفو أفضل قال الله تعالى : ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ (الشورى : 40) وإن كانت تلك الكلمة موجبة للحد لا ينبغي أن يجيبه بمثله تحرزا عن إيجاب الحد على نفسه.
وفي تنوير الأبصار للإمام التمر تاشي ضرب غيره بغير حق وضرب المضروب يعزران ويبدأ بإقامة التعزير بالبادي انتهى.
ثم أمر به صلى الله عليه وسلم صريحا لأنه أولى الناس بعزائم الأمور لزيادة علمه بشؤونه تعالى ووفور وثوقه بل فقيل :
جزء : 5 رقم الصفحة : 95