تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طائفة منها فجادل أهل النفاق وغلظ عليهم وجادل أهل الوفاق باللطف والرحمة واخفض جناحك للمؤمنين واعف عنهم واستغفر لهم.

وقال حضرة شيخي وسندي روح الله روحه في كتابه المسمى "باللائحات البرقيات" بالحكمة أي : بالبصيرة على رعاية المناسبة في مقتضيات الأحوال والمقامات بالتليين والتخفيف والتعريض في مقاماتها والتغليظ والتشديد والتصريح في مقاماتها ونحو ذلك من المناسبات الحكمية الجالبة للمصالح والسالبة للمفاسد والموعظة الحسنة أي : المتضمنة للحسنات والمشتملة على الترغيبات والمتناولة للترهيبات والجالبة للقلوب إلى المحبوبات والسالبة للنفوس عن المقبوحات وغير ذلك مما يختص ويليق بالموعظة الحسنة التي هي الموعظة بالحق والعلم الكامل والعقل والتام لا الموعظة بالنفس والجهل والحمق فإن تلك الموعظة إنما هي بالبصيرة الشاملة الصحيحة وهذه الموعظة إنما هي بالغفلة العامة الفاسدة وفي الحقيقة الموعظة الحسنة هي الموعظة الجامعة لجوامع الكلم وجادلهم بالتي أي : بالمجادلة التي هي أحسن وهي المجادلة الحقانية التي تكون بالرفق واللين والصفح والعفو والسمع والكلام بقدر العقول والنظر إلى عواقب الأمور والصبر والتأني والتحمل والحلم وغير ذلك من خواص المجادلة التي هي أحسن مثل كون المراد منها إظهار الحق وبيان الصدق لمن خالف الحق والصدق بكمال الإعراض عن جميع الأغراض والإعراض وتمام الترحم للمخالفين المعاندين الضالين عن سبيل الحق والصدق والجاهلين الغافلين السائرين إلى سبيل الباطل والكذب وما سوى ذلك من الخواص واللوازم ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله﴾ (بآنكس كه كمراه شد ازراء حق كه اسلامست) وأعرض عن قبول الحق بعدما عاين من الحكم والمواعظ والعبر ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ بذلك أي : ما عليك إلا ما ذكر من الدعوة والتبليغ والمجادلة بالأحسن وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فلا عليك بل الله أعلم بالضالين والمهتدين فيجازي كلا منهم بما يستحقه فكأنه قيل : إن ربك أعلم بهم فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل والنصيحة اليسيرة ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل وكأنك تضرب منه في حديد بارد ، قال الشيخ سعدي قدس سره :

جزء : 5 رقم الصفحة : 95

توان اك كردن زنك آينه

وليكن نيايد زسنك آينه

وقال الحافظ :

كوهر اك ببايدكه شود قابل فيض

ورنه هرسنك وكلي لؤلؤ ومرجان نشود

واعلم أن الناس ثلاثة أصناف : صنف مقطوع بحسن خاتمتهم مطلقا كالأنبياء عليهم السلام والعشرة المبشرة ، وصنف مقطوع بسوء عاقبتهم كأبي جهل وقارون وهامان وفرعون وغيرهم ممن قطع بسوء خاتمتهم مطلقا.

وصنف مشكوك في حسن خاتمتهم وسوء خاتمتهم مطلقا كعامة المؤمنين الأبرار وكافة الكافرين الفجار فإن الأبرار كانوا ممدوحين في ظاهر الشريعة من جهة العقائد والأعمال في الحال والفجار كانوا مذمومين في ظاهر الشريعة من تلك الجهة في الحال لكن أمرهم في المآل مفوض إلى الله تعالى والله يعلم المفسد من المصلح ويميز بينهما في الآخرة والعاقبة فكم من ولي في الظاهر يعود عدو الله ووليا للشيطان نعوذ بالله

98

لكون ضلاله ذاتيا قد تداخله الاهتداء العارضي فاستترت ظلمته بصورة نور الاهتداء كاستتار ظلمة الليل بنور النهار عند إيلاج الليل في النهار وكم من عدو في الظاهر يعود ولياوعدوا للشيطان لكون اهتدائه أصليا قد تداخله الضلال العارضي فاستتر نوره بظلمة الضلال العارضي كاستتار نور النهار بظلمة الليل عند إيلاج النهار في الليل فكما لا ينفع الأول الاهتداء العارضي ويكون غايته إلى الهلاك كذلك لا يضر هذا الثاني الضلال العارضي ويكون خاتمته إلى النجاة.

وعن أبي إسحاق رحمه الله تعالى قال : كان رجل يكثر الجلوس إلينا ونصف وجهه مغطى فقلت له : إنك تكثر الجلوس إلينا ونصف وجهك مغطى اطلعني على هذا قال وتعطيني الأمان قلت : نعم قال : كنت نباشا فدفنت امرأة فأتيت قبرها فنبشت حتى وصلت إلى اللبن فرفعت اللبن ثم ضربت بيدي إلى الرداء ثم ضربت بيدي إلى اللفافة فمددتها فجعلت تمدها هي فقلت : أتراها تغلبني فجثيت على ركبتي فجردت اللفافة فرفعت يدها فلطمتني وكشف وجهه فإذا أثر خمس أصابع في وجهه فقلت له ثم مه قال ثم رددت عليها لفافتها وإزارها ثم ردت التراب وجعلت على نفسي أن لا أنبش ما عشت قال : فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي الأوزاعي ويحك اسأله عمن مات من أهل التوحيد ووجهه إلى القبلة فسألته عن ذلك فقال أكثرهم حول وجهه عن القبلة فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي إناوإنا إليه راجعون ثلاث مرات أما من حول وجهه عن القبلة فإنه مات على غير السنة أي : على غير ملة الإسلام وذلك لأن ترك العمل بالكتاب والسنة والإصرار على المعاصي يجر كثير من العصاة إلى الموت على الكفر والعياذ بالله ، قال الشيخ سعدي قدس سره :

جزء : 5 رقم الصفحة : 95

عروسي بود نوبت ما تمت

كرت نيك روزى بودى خاتمت

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٥ · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٥ · ص ٧٥