﴿واصبر﴾ على ما أصابك من جهتهم من فنون الآلام والأذية وعاينت من إعراضهم عن الحق بالكلية وصبره عليه السلام مستتبع لاقتداء الأمة كقول من قال لابن عباس رضي الله عنهما عند التعزية اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الرأس
100
﴿وما صبرك إلا بالله﴾ بتوفيق الله وإعانته لك على الصبر لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته أي : إلا به بأن يتحلى بتلك الصفة.
قال جعفر الصادق رضي الله عنه أمر الله أنبياءه بالصبر وجعل الحظ الأعلى منه للنبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل صبره بالله لا بنفسه وقال : ﴿وما صبرك إلا بالله﴾ ﴿ولا تحزن عليهم﴾ أي : على الكافرين بوقوع اليأس من إيمانهم بك ومتابعتهم لك نحو ﴿فلا تأس على القوم الكافرين﴾ (المائدة : 18) ﴿ولا تك﴾ أصله لا تكن حذفت النون تخفيفا لكثرة استعماله بخلاف لم يصن ولم يخن ونحوهما ومعنى كثرة الاستعمال أنهم يعبرون بكان ويكون عن كل الأفعال فيقولون كان زيد يقول وكان زيد يجلس فإن وصلت بساكن ردت النون وتحركت نحو ﴿ومن يكن الشيطان له قرينا﴾ الآية ﴿فى ضيق﴾ أي : لا تكن في ضيق صدر من مكرهم فهو من الكلام المقلوب الذي يسجع عليه عند أمن الالتباس لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه.
وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب ﴿مما يمكرون﴾ أي : من مكرهم بك فيما يستقبل فأول نهي عن التأثم بمطلوب من قبلهم فات والثاني عن التأثم بمحذور من جهتهم آتت.
﴿إن الله مع الذين اتقوا﴾ اجتنبوا المعاصي ومعنى المعية الولاية والفضل ﴿والذين هم محسنون﴾ في أعمالهم ويقال مع الذين اتقوا مكافاة المسيىء والذين هم محسنون إلى من يعادي إليهم فالإحسان على الوجه الأول بمعنى جعل الشيء جميلا حسنا وعلى الثاني ضد الإساءة وفي الحديث : "إن للمحسن ثلاث علامات يبادر في طاعة الله ويجتنب محارم الله ويحسن إلى من أساء إليه".
جزء : 5 رقم الصفحة : 95
ز احسان خاطر مردم شود شاد
بتقوى خانه دين كردد آباد
بسوى اين صفتها كر شتابى
رضاي خلق وخالف هر دويابى
قال ممشاد الدينوري : رأيت ملكا من الملائكة يقول لي : كل من كان مع الله فهو هالك إلا رجل واحد قلت : من هو؟ قال : من كان الله معه وهو قوله : ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ وذلك لأن المقصود كينونة المحبوب مع المحب إذ هو يشعر بالرضى والإقبال وأما كينونة المحب مع المحبوب فقد تحصل مع سخط المحبوب وإدباره.
وعن هرم بن حيان أنه قيل له حين احتضر أوص فقال : إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة : النحل أي من ﴿ادع إلى سبيل ربك﴾ إلى آخرها.
يقول الفقير سامحه الله القدير جمع شيخي وسندي روح الله روحه أصحابه قبل وفاته بيوم فقال : اعلموا أيها الأصحاب أنه لا مال لي حتى أوصى به ولكني على مذهب أهل السنة والجماعة شريعة وطريقة ومعرفة وحقيقة فاعرفوني هكذا واشهدوا لي بهذا في الدنيا والآخرة فهذا وصيتي وأشار حضرة الشيخ بهذا إلى أنه لا زيغ ولا إلحاد في اعتقاده وفي طريقه أصلا فإنهم قالوا : إن أهل التصوف تفرقت على اثنتي عشرة فرقة فواحدة منهم سنيون وهم الذين أثنى عليهم العلماء والبواقي بدعيون.
ويعلم السني بشاهدين.
أحدهما ظاهر والآخر باطن فالظاهر استحكام الشريعة والباطن السلوك على البصيرة واليقظة والعلم لا على العمى والغفلة والجهل فمن عمل بخواتيم هذه السورة واتصف
101
بحقيقة العفو والصبر والحلم والإنشراح في المنشط والمكره وترك الحزن والغم على الفائت والآتي.
وبالتقوى على مراتبها وبالإحسان بأنواعه فقد جعل لنفسه علامة الولاية والمعية والإيمان الكامل وحسن الخاتمة وخير العاقبة اللهم احفظنا من الميل إلى السوى والغير واختم عواقبنا بالخير يا رب.
جزء : 5 رقم الصفحة : 95