وفي الآية إشارة إلى أن الاختلاف فيما أرشد الله به الناس إلى الصراط المستقيم من الأوامر والنواهي لاستحلال بعضها وتحريم بعضها ابتداعا منهم على وفق الطبع والهوى وإن كان التشديد فيه على أنفسهم يكون وبالا عليهم وضلالا عن الصراط المستقيم.
فالواجب على العباد في العبادات والطاعات والمجاهدات وطلب الحق الاتباع وترك الابتداع كما قال صلى الله عليه وسلم "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وعضوا عليها بالنواجد وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة فضلالة".
وجاء رجل للشيخ أبي محمد عبد السلام بن بشيش قدس سره فقال : يا سيدي وظف علي وظائف وأورادا فغضب الشيخ وقال أرسول أنا فأوجب الواجبات الفرائض معلومة والمعاصي مشهورة فكن للفرائض حافظا وللمعاصي رافضا واحفظ قلبك من إرادة الدنيا واقنع من ذلك كله بما قسم لك فإذا خرج لك مخرج الرضى فكنفيه شاكرا وإذا خرج لك مخرج السخط فكن عليه صابرا وفي قوله تعالى : ﴿وإن ربك ليحكم﴾ الآية إشارة إلى أن الله تعالى يحكم بعدله بين أهل السنة وأهل البدع فيقول هؤلاء في الجنة بفضلي ولا أبالي وهؤلاء من النار بعدلي ولا أبالي وأهل البدعة ثنثان وسبعون فرقة من أهل الظواهر وإحدى عشرة فرقة من أهل البواطن كلهم على خلاف الحق من حيث الاعتقاد وكلهم في النار والفرقة الناجية من المتصوفة وغيرهم هم الموافقون للكتاب والسنة عقدا وعملا نسأل الله تعالى أن يحفظنا من الزيغ والضلال ولا بد من أخ ناصح في الدين كامل في طريق اليقين مرشد إلى الحق المتين قال الحافظ قدس سره :
96
قطع اين مرحله بى همر هى خضر مكن
ظلما تست بترس از خطر كمراهى
﴿ادع﴾ الناس يا أفضل الرسل من سبيل الشيطان ﴿إلى سبيل ربك﴾ وهو الإسلام الموصل إلى الجنة والزلفى.
قال حضرة الشيخ العطار قدس سره :
نور او ون اصل موجودات بود
ذات أو ون معطىء هر ذات بود
واجب آمد دعوت هر دوجهانش
دعوت ذرات يدا ونهانش
جزء : 5 رقم الصفحة : 95
واعلم أن كل عين من الأعيان الموجودة مستند إلى اسم من الأسماء اللإلهية واصل من طريق ذلك الاسم إلى الله الذي له أحدية جميع الأسماء.
لا يقال فما فائدة الدعوة حينئذ؟ لأنا نقول الدعوة من المضل إلى الهادي ومن الجائر إلى العدل ﴿بالحكمة﴾ بالحجة القطعية المفيدة للعقائد الحقة المزيحة لشبهة من دعى إليها فهي لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق ﴿والموعظة الحسنة﴾ أي : الدلائل الإقناعية والحكايات النافعة فهي لدعوة عوامهم.
يقال وعظه يعظه وعظا وعظة وموعظة ذكره ما يلين قلبه من الثواب والعقاب فاتعظ كما في "القاموس" ﴿وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ أي : ناظر معانديهم بالطريقة التي هي أحسن طرق المناظرة والمجادلة من الرفق واللين واختيار الوجه الأيسر واستعمال المقدمات المشهورة تسكينا لشغبهم وإطفاء للهبهم كما فعله الخليل عليه السلام.
والآية دليل على أن المناظرة والمجادلة في العلم جائزة إذا قصد بها إظهار الحق.
قال الشيخ السمرقندي في تفسيره في هذه الآية تنبيه على المدعو إلى الحق فرق ثلاث.
فإن المدعو إلى الله بالحكمة قوم وهم الخواص.
والموعظة قوم وهم العوام.
وبالمجادلة قوم وهم أهل الجدال وهم طائفة ذووا كياسة تميزوا بها عن العوام ولكنها ناقصة مدنسة بصفات رديئة من خبث وعناد وتعصب ولجاج وتقليد ضال تمنعهم عن إدراك الحق وتهلكهم فإن الكياسة الناقصة شر من البلاهة بكثير ألم تسمع أن أكثر أهل الجنة البله فليستعمل كل منها مع يناسبها فإنه لو استعمل الحكمة للعوام لم يفد شيئا حيث لم يفهموها لسوء بلادتهم وعدم فطنتهم.
نكته كفتن يش كفهمان زحكمت بي كمان
جوهري نداز جواهر ريختن يش خراست
وفي المثنوي :
كي توان باشيعه كفتن از عمر
كى توان بربط زدن دريش كر
وإن استعمل الجدال مع أهل الحكمة تنفروا منه تنفر الرجل من الإرضاع بلبن الطفل.
وفي "التأويلات النجمية" قوله : ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾ إشارة إلى أن دعاء العوام إلى سبيل ربك وهو الجنة بالحكمة وهو الخوف والرجاء لأنهم يدعون ربهم خوفا من النار وطمعا في الجنة والموعظة الحسنة هي الرفق والمداراة ولين الكلام والتعريض دون التصريح وفي الخلا دون الملا فإن النصح على الملا تقريع :
جزء : 5 رقم الصفحة : 95
كر نصيحت كنى بخلوت كن
كه جز اين شيوه نصيحت نيست
هو نصيحت كه بر ملا باشد
آن نصيحت بجز فضيحت نيست
ودعاء الخواص إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وهي أن تحبب الله إليهم وتوفر دواعيهم في الطلب وترشدهم وتهديهم إلى صراط الله وتسلكهم فيه وتكون لهم دليلا وسراجا منيرا إلى أن يصلوا في متابعتك وتزكيتك إياهم إلى مراتب المقربين ﴿وجادلهم بالتى هى أحسن﴾ لكل
97